ثلاثية الإعفاء والتبرير في الحقل الديني: حين يتفوق البلاغ على المنطق وتُعاقب الأسئلة بوصف “الموسوس المرتاب”..

admin
2025-08-06T17:41:37+02:00
متابعات
admin6 أغسطس 2025آخر تحديث : منذ 7 أشهر
ثلاثية الإعفاء والتبرير في الحقل الديني: حين يتفوق البلاغ على المنطق وتُعاقب الأسئلة بوصف “الموسوس المرتاب”..
  • رسبريس

حين أصدرت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بيانها بشأن إعفاء رئيس المجلس العلمي المحلي لفجيج، تخيّلنا للحظة أننا في حضرة دائرة أمنية، لا مؤسسة دينية يُفترض فيها الحكمة والاتزان. البيان خرج بثقة مفرطة، يُوزّع التهم على المخالفين دون خجل، يصف من انتقد بأنه “موسوس مرتاب”، ومن ناقش بأنه “متهافت مغرض”، وكأن سؤال المؤسسات أصبح عبثًا، وكأن من شكّ، ارتكب كبيرة من الكبائر تستوجب الإدانة لا التوضيح.

مشكلة البيان لا تكمن فقط في فحواه، بل في لغته. لقد تماهى مع قواميس السلطوية القديمة التي تتعامل مع الرأي الآخر بوصفه تهديدًا يجب إسكاته لا تساؤلًا يجب التعامل معه. إنه بيان يفتقر إلى الحس المؤسسي في التواصل، يفتقر إلى الذكاء السياسي، والأهم أنه يفتقر إلى التواضع أمام المجتمع. أراد صانعوه أن يُظهروا الصرامة، فإذا بهم يكشفون هشاشة منطق القرار، وبدا واضحًا أنهم يعانون من حالة انغلاق، لا من فائض يقين.

أما مصطفى بنحمزة، الذي لطالما ظهر في هيئة المنظر والمربي وصاحب التجربة الرائدة، فقد وجد نفسه مرغمًا على الدفاع عن قرار كشف هشاشة بنية كان يتغنّى بتماسكها. لقد أراد بيان بنحمزة أن يكون جسرًا بين منطق الدولة ومنطق الحاضنة التي ينتمي إليها، لكنه لم يكن أكثر من حائط صد ضعيف، ارتدت عنه كرة النقد بقوة، وأصابت شعبيته في مقتل داخل الحقل الذي صنع صورته فيه.

صمت باقي الأطراف، لا سيما المجلس العلمي الأعلى، زاد من الشعور بأن الإعفاء لم يكن فعلًا إداريًا بريئًا، بل خطوة مثقلة بتراكمات سياسية وفكرية. الأسئلة تُطرح حول سبب تغييب رمز مؤسسي مثل محمد يسف، وعما إذا كان منطق التهميش قد تجاوز حدود الأفراد إلى مستوى المؤسسات نفسها. ومع كل هذا، تستمر الوزارة في توجيه التوبيخ، وكأنها وحدها تمتلك الحقيقة، وكأن المجتمع لا يعرف ما وراء الأكمة، ولا يدرك أن الغياب الحقيقي هو غياب الحكمة والتبصر في تدبير الملفات.

في هذه النازلة، يكشف الأسلوب أكثر من المحتوى. فأسلوب بيان الوزارة يعكس عقلية منغلقة، ترى النقد خطرًا، والاختلاف ارتيابًا، والتساؤل تهديدًا. وهو منطق يُذكّرنا بعقود مضت، حين كان الإداري يُقدّس، والقرار لا يُناقش، والمقدس يُستعمل للتخويف لا للتنوير. اليوم، يُعاد إنتاج هذا الخطاب في مؤسسة يُفترض فيها أن تكون منارة للاعتدال، لا منصة للوصاية.

لكن المفارقة الكبرى، أن من أطلق هذا البيان، ومن روّج له، ومن انبرى للدفاع عنه، نسوا أن الناس تغيرت، وأن مناقشة القرارات لم تعد ترفًا، بل حقًا. ونسوا أيضًا أن الخوف لم يعد أسلوبًا مقنعًا، وأن تقنيات التوبيخ لم تعد تهيمن على الوعي العام. فالسؤال لا يخيف إلا من يخاف من الجواب، والنقد لا يزعج إلا من يتزعزع أمام كشف الحقيقة.

من فجيج وبوعرفة، إلى باقي جهات المغرب، يتابع المواطنون هذا المشهد السريالي العجيب ويقولون في قرارة أنفسهم: من غاب يجب أن يُحاسب، نعم. لكن من استخف بالعقل الجمعي، من استبدل التوضيح بالاتهام، من جعل من القرار الإداري خندقًا فكريًا، أولئك هم من يستحقون النقد. وما أكثرهم.

الوزير التوفيق، كعادته، صامت أو شبه صامت، يمارس سياسة التواري خلف البلاغ، بينما ضحايا البلاغ يتوارون خلف جدران المؤسسات الصامتة. وبين كل هؤلاء، يبقى البيان ماثلًا كوثيقة لا تشرح، بل تؤنّب، لا تبرّر بل تُدين، لا تُقنع، بل تُخيف. وهنا تمامًا، تتجلّى السخرية السوداء: إذ تصبح المؤسسة التي يفترض فيها الطمأنينة، أكثر الجهات إثارةً للقلق.

ما جرى لم يكن إعفاءً لمسؤول فقط، بل كشفًا لانكشافات متعددة: انكشاف الغطاء البلاغي الذي تُخفي به الوزارة ارتباكها، وانكشاف الأسلوب الذي يُدار به الحقل الديني، وانكشاف صمت المؤسسات أمام شهوة التوبيخ. وما هو مخيف فعلاً، أن هذا البيان ليس الأخير من نوعه… بل هو بداية لمرحلة تُقدّم فيها السياسة بلغة الخطبة، وتُمارس فيها السلطة بلباس القداسة، ويُجتث فيها العقل النقدي بعبارة “حاسبهم عند ربهم”.

لكن الأكمة نفسها لا تزال هنا، تنتظر من يزيحها، من يحفر خلف اللغة، من يُوقظ الحواس، من يقول: ليس هكذا تُدار البلاد، وليس هكذا يُعفى الرجال، وليس هكذا تُرهب الأسئلة. فالوطن لا يُبنى ببلاغات تفتقد اللباقة، ولا بصراعات تُخاض داخل مجالس دينية باسم التدبير الإداري، بل بالحوار، والشفافية، والاحترام. وهذه، للأسف، غابت تمامًا عن مشهد الإعفاء… كما غاب المسؤول نفسه.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

التعليقات 4 تعليقات

  • MargueriteMarguerite

    Et voici un flambeau qui éclaire les zones d ‘ombres qui cachent et dissimulent toute véracité et toute valeur !!!
    Je m’incline en toute gratitude chers lecteurs et chères lectrices devant cette grosse plume.
    !!!!!!

  • VéritéVérité

    Vos mots ont transpercé le silence et réveillé la conscience.

    Vous avez dit tout haut ce que beaucoup étouffent en silence dans un Article qui met pertinemment des mots sur une vérité que d’autres fuient.
    Respect et admiration.

    Chapeau bas à vous

  • نسمةنسمة

    “أراني مبهوتةً أمام نصٍّ لا يُشبه سواه، كلماتٌ تفضح الواقع وتخلعُ عنه أقنعته الزائفة، وتبوح بحقيقةٍ ضائعةٍ، مُنفيةٍ عن زمنها. إنها كتابة تُصيب في مقتل، تُعرّي بلا رحمة، وتقول ما لا يجرؤ الكثيرون على النطق به، في زمنٍ تُدفن فيه الحقائق حيّة، وتُكتم فيه الشفاه لأن ليست كلّ حقيقة تُقال، ولا كلّ صدق يُحتمل. إنه مقالٌ يعلو على المقالات، ويجرح بصدقه كما لو كان سكينًا في لحم الكلام.”
    ترفع لك القبعات أيها الشهم الصادق.

  • محمد عليمحمد علي

    يا لها من مرافعة فكرية لغوية عاكسة لواقع مزري مرير متعفن يتحكم في جبابرة بالنرجسية فقط وليس بالحكمة والموعضة والتريث والاتزان…
    أجد نفسي اتساءل اي دور تقوم به المجالس العلمية ماعدا ثبوت الأهلة من عدمها خاصة في شهر رمضان!!!!؟؟
    عن اي علم او انجازات علمية يتحدثون عنها ما عدا الاجترار ثم الاجترار المتوارث عبر المد الاسلامي …
    كل التحايا لكم استاذنا الفاضل