نيرون العصر.. ترامب يعزف على خراب رماد العالم

admin
2026-03-11T21:21:40+01:00
مقالات رئيس التحرير
admin11 مارس 2026آخر تحديث : منذ 3 أشهر
نيرون العصر.. ترامب يعزف على خراب رماد العالم
  • مصطفى قشنني

تأملوا هذا المشهد السريالي العجيب: رجل برتقالي البشرة، شعره أشبه بقشة ذهبية مزروعة في جمجمة لا تعترف بالمنطق، يجلس في البيضاوي يحرق العالم، وإلى جانبه قزم متعجرف من القدس يرقص على أنغام الدمار. إنها حرب أمريكا وإسرائيل على إيران، تلك الحرب التي لا أحد يفهم هدفها، ولا أحد يستطيع تفسير استراتيجيتها، لكن نتائجها واضحة كالشمس في كبد السماء: شبه شلل تام لإمداد العالم بالنفط الذي يمر من دول الخليج عبر مضيق هرمز، ذلك الممر المائي الضيق الذي بات اليوم تحت سيطرة إيران وكأنه خرطوم ماء في يد طفل قرر أن يعبث بحديقة الجيران.

مضيق هرمز لم يعد مجرد بقعة زرقاء على الخريطة، بل أصبح اليوم حبلًا سريًا للحضارة المعاصرة، شريان الحياة الذي يمدّ العالم بدمه الأسود. وعندما تمسك إيران بذلك الحبل، وتقرر أمريكا وإسرائيل أن تلعبا لعبة “من يشد أقوى”، فإن العالم بأسره يختنق. المصانع تتوقف، الأسعار ترتفع، البورصات تنهار، ومليارات البشر يشعرون بلهيب الأسعار يلسع جيوبهم قبل بطونهم. ولكن مهلاً، هناك استثناء واحد صغير: بلاد “العام سام” طبعًا. هم هناك في قصورهم المكيفة، بعيدون عن غبار المعارك ولهيب الأسعار، يتفرجون على العالم يحترق كما تتفرج الطبقة الأرستقراطية الرومانية على العبيد يتصارعون حتى الموت.

وهنا يتبادر إلى الذهن ذلك الإمبراطور المجنون نيرون، الذي قيل إنه أحرق روما وصعد إلى أعلى تل يعزف على القيثارة وهو يشاهد المدينة العظيمة تتحول إلى رماد تحت قدميه. كان نيرون يعتقد أنه باحتراق روما سيولد من جديد أجمل، وكان يستمع إلى صرير النيران وكأنها سيمفونية خالدة. واليوم، لدينا نيرون جديد، لكن هذه المرة القيثارة استُبدلت بتغريدة على تويتر، وروما استُبدلت بكوكب الأرض بأكمله، والنار لم تعد تشتعل في مدينة واحدة بل في مضيق هرمز، وفي أسواق النفط، وفي أحلام الملايير الذين كانوا يأملون في غد أفضل.

ترامب ونتنياهو  يجلسان معًا، الأول يتصبب عرقًا تحت أضواء الكاميرات وهو يوقع الأوامر التنفيذية، والثاني يقف خلفه كظل شرير يهمس في أذنه بكلمات لا يفهمها أحد، لكن نتائجها مدمرة. هما الاثنان يشعلان الحرب دون أن يكون لأي منهما هدف واضح. هل تريد أمريكا النفط؟ هي لا تحتاجه كما في السابق. هل تريد إسرائيل الأمن؟ هي اليوم أكثر دول المنطقة تسلحًا وعدوانية بعد القضاء على كل الأنظمة الممانعة لها. إذن ما الجدوى؟ ما المغزى؟ إنها حرب عبثية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، حرب بلا هدف، بلا استراتيجية، بلا مرامي، وكأنها نزوة طفل مدلل يريد أن يرى كم عدد قطع الدومينو التي يمكن أن يسقطها بدفعة واحدة.

لكن العبثية هنا لا تعني البراءة. فالنتائج مروعة وملموسة. عندما يشتعل مضيق هرمز، فإن أول من يدفع الثمن هم الفقراء في كل مكان. عامل النظافة في وجدة، وسائق التاكسي في كراتشي، والأم العزباء في مانيلا، والطالب الجامعي في أثينا، جميعهم سيجدون أن ثمن رغيف الخبز أصبح خارج قدرتهم الشرائية. لماذا؟ لأن شخصين مجنونين في واشنطن وتل أبيب قررا أن يتسليا قليلاً على حساب العالم. إنها سخرية كونية أن تكون مصير البشرية معلقًا بمزاج رجل يصدق نظريات المؤامرة ويشاهد ساعات طويلة من التلفاز، وآخر يواجه محاكم فساد ويحتاج دائمًا إلى حرب جديدة ليبقى في السلطة.

ترامب يعزف سيمفونية الخراب، وفريق عمله في البيت الأبيض يصفقون بحرارة. كلما ارتفعت أسعار النفط، زادت حدة تصفيقهم. كلما ازداد التوتر في المنطقة، ازدادت ابتساماتهم اتساعًا. إنهم يراقبون الخراب والدم واشتعال اقتصاد العالم وكأنهم يشاهدون فيلمًا من إنتاج هوليوود، بطولة ترامب في دور نيرون العصر الحديث. الفرق الوحيد أن هوليوود تقدم نهايات سعيدة، أما هذه المسرحية الهزلية المأساوية فليس واضحًا كيف ستنتهي، لكن المؤكد أنها لن تنتهي بالخير ينتصر على الشر، لأن الخير والشر هنا أصبحا مجرد كلمتين في خطابات سياسية جوفاء.

المشهد الأكثر إثارة للدهشة هو ذلك الهدوء المخيم على بقية العالم. أين أوروبا التي سترتجف من نقص النفط؟ أين الصين التي ستصاب بالشلل إن توقفت ناقلاتها؟ أين الهند التي تعتمد بالكامل تقريبًا على استيراد الطاقة؟ إنهم جميعًا يراقبون هذا الجنون يتفاقم دون أن يحركوا ساكنًا، وكأنهم مقتنعون بأن التعقل سينتصر في النهاية على الجنون. لكن التاريخ يعلمنا أن الجنون دائمًا ما كان له اليد العليا عندما تخلى العقلاء عن دورهم.

إنها بداية الاشتعال بكل تأكيد. ما نشهده اليوم ليس سوى الشرارة الأولى لحريق هائل قد يلتهم العالم بأسره. ترامب ونتنياهو  يعزفان على قيثارتهما المسمومة، وإيران تلوح بمفاتيح مضيق هرمز وكأنها عصا سحرية قادرة على إيقاف الحياة أو تشغيلها متى شاءت، ودول الخليج تتفرج على ثروتها النفطية تتحول من نعمة إلى نقمة، وبقية العالم يلهث وراء تأمين احتياجاته بأي ثمن. وفي خضم هذا العبث كله، يبقى السؤال الأهم: هل يعلم نيرون ترامب أن روما عندما احترقت لم يعد منها شيء؟ أم أنه يعتقد حقًا أنه قادر على بناء “روما أعظم” على أنقاض العالم القديم؟

الكوميديا السوداء التي نعيشها اليوم تتجاوز قدرة أي كاتب ساخر على التخيل. شخصياتها كاريكاتورية إلى أقصى حد، أحداثها غير منطقية، ونهايتها مفتوحة على كل الاحتمالات السيئة. لكننا مع ذلك مضطرون لمشاهدتها حتى النهاية، ليس لأننا نستمتع بها، بل لأنها واقعنا المرير الذي نعيشه كل يوم. ترامب يعزف، والعالم يحترق، ونحن نشاهد ونتساءل: متى سينفد صبر الجماهير الجائعة؟ متى سيقول الفقراء كلمتهم؟ ومتى سيدرك هؤلاء المجانين أنهم يحرقون سفينة واحدة لا ينقذهم منها أحد إذا غرقت؟

وأعود وأكرّر أن المستفيد الأول والأخير من هذه الحرب هي الولايات المتحدة الأمريكية، فهي لن تكتوي بنارها لأنها لا تشتعل على أرضها، ولن تذوق مرارة ارتفاع النفط لأن خزاناتها الاستراتيجية تتفجر بالاحتياطي، ولن تشعر بلهيب الأسعار وفمها مفتوح على آبار فنزويلا تتدفق في شرايينها بملايين البراميل يومياً كدم جديد يبعث الحياة في جسد شيخوخة مترهلة. إنها الحرب المثالية: نار تأكل الخشب الجاف لدول الخليج التي تدفع الفاتورة صاغرة، ودمار يتسع في الشرق الأوسط، وجيوب أمريكية تنتفخ من بيع الأسلحة للجميع، وعرب يقتتلون وعرب آخرون يدفعون الثمن وأمريكا في الأعلى تتفرج وكأنها تشاهد مصارعة الكلاب الضالة.

ترامب يعرف جيداً أنه لن يخسر شيئاً سوى صورة بلاده التي تتسخ أكثر فأكثر كل يوم. ألاف التغريدات  الغبية، وحرب جديدة في الخليج تشتعل وستأتي على الأخضر واليابس، كلها تضيف شرخاً جديداً في جبين أمريكا الموشوم بالإمبريالية. الانتكاسة الأخلاقية يرتفع منسوبها مع كل قنبلة أمريكية الصنع تسقط على رأس طفل، ومقت العالم يزداد مع كل برميل نفط يشتعل في مضيق هرمز ليحرق جيوب الفقراء.

ثم يأتي الأمريكيون في استطلاعات الرأي يسألون باستغراب طفولي: لماذا يكرهوننا؟ لماذا العالم كله غاضب منا؟ وكأنهم لا يرون الدم الذي تلطخت به أياديهم، ولا يسمعون صرخات اليتم التي صنعتها قنابلهم، ولا يشعرون بلهيب الكراهية الذي يشعلونه كل يوم ثم يتعجبون أن النار تحترق. إنهم كالطفل الذي يضرب القطة ثم يبكي لأنها تخدشه. أمريكا ستربح كل شيء وتخسر روحها، وهذا هو الثمن الأغلى الذي لا يظهر في الميزانيات ولا في تقارير البنتاغون.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.