سقوط القناع ..حين استيقظ الغرب متأخرا عن وحش صنعه بنفسه..

admin
2026-05-26T23:29:42+02:00
مقالات رئيس التحرير
admin26 مايو 2026آخر تحديث : منذ أسبوع واحد
سقوط القناع ..حين استيقظ الغرب متأخرا عن وحش صنعه بنفسه..
  • مصطفى قشنني

لم يكن فيديو المتطرف إيتمار بن غفير وهو يتباهى بإذلال معتقلين مقيّدي الأيدي مجرد زلة سياسية عابرة، ولا حتى استعراضاً استفزازياً لوزير فقد أعصابه وصوابه. بل كان بياناً أيديولوجياً كاملاً، وحلقة جديدة في سلسلة متّصلة من الوحشية التي لم تنقطع يوماً. فالرجل الذي يلوّح بالعلم الإسرائيلي فوق رؤوس مذلولين، ويبتسم بينما تُدفع ناشطة بعنف إلى الأرض، لم يخترع جديداً، بل واصل ما بدأه: قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين – دخل حيّز التطبيق مؤخرا -. و لأن ما فعله بن غفير أمام الكاميرات ليس سوى الوجه الإعلامي لسياسة أعمق وأكثر دموية: سياسة تحوِّل المعتقل الفلسطيني إلى جسد بلا حقوق، إلى مادة للتعذيب والإذلال، ثم إلى جثة باردة في ثلاجات الموت البطيء. حين يموت أسير فلسطيني في سجون الاحتلال تحت وطأة الإهمال الطبي، أو بعد جلسة تحقيق طويلة، أو نتيجة “الانتحار” الغامض، فإن بن غفير لا يكون بعيداً عن تلك الجريمة، بل هو استمرار طبيعي لها. الفيديو الذي نشره لم يكن حدثاً منفصلاً، كان إعلاناً أن إذلال الأسرى ليس مجرد تجاوز فردي، بل هو ثقافة مؤسسة، وقانون غير مكتوب، يمتد من غرفة التحقيق إلى منصة التباهي على وسائل التواصل.

والسؤال الأكثر إيلاماً يظل معلقاً: كم فلسطينياً كان يجب أن يُقتل، وكم طفلاً كان يجب أن يُقصف، وكم أسيراً كان يجب أن يُعذّب ويُسحل ويعدم قبل أن تستفيق هذه الضمائر الميتة؟ الإجابة مرعبة في بساطتها: لا عدد. لأن الدم الفلسطيني، في ميزان القيم الغربية، ليس دماً بالمعنى الإنساني الكامل، بل مجرد رقم يُضاف إلى حصيلة “التوازنات” و”المصالح الاستراتيجية”. لقد احتاجت أوروبا إلى فيديو واحد لبن غفير، وإلى ناشطة أوروبية تُسحل على الأرض، كي تدرك أن الرجل الذي استقبلته وزيراً شرعياً ليس سوى نسخة معاصرة من دعاة التطهير القومي. بينما كان الأسرى الفلسطينيون يُعدمون واحداً تلو الآخر في زنازين الاحتلال، كان الغرب يتفرج، أو يتظاهر بأنه لا يرى. كل أسير فلسطيني يُقتل هو فيديو لم يُصور، كل جثة تعود من السجن محملة بعلامات التعذيب هي شهادة لم تُسمع، كل أم تفقد ابنها في معتقلات الاحتلال هي قصيدة رثاء لم يكتبها الغرب لأن شاعرا فلسطينيا ألقاها.

إن أوروبا التي تتفاخر بتراثها التنويري وبحقوق الإنسان، تحولت إلى مسرح للهزل الأخلاقي حين يتعلق الأمر بالكيان الصهيوني. فبينما تصوت في البرلمان الأوروبي على قرارات تدين “انتهاكات حقوق الإنسان” في دول العالم الثالث، تتغاضى بكل برود عن قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين الذي يمارس علناً دون خجل. هذا القانون غير المكتوب، الذي يجعل حياة الأسير رهينة لنزوة جندي أو قاض أو طبيب عسكري، هو تجسيد حي للعنصرية المؤسساتية. الأسير الإسرائيلي له حقوق، والأسير الفلسطيني مجرد “إرهابي” يستحق كل أنواع الإذلال، حتى الموت. وحين يصل الأمر إلى بن غفير، فإنه لا يفعل إلا أن يعكس هذه الثقافة في سلوكه اليومي: يذل ليقتل، ويقتل ليرعب، ويرعب ليذل. إنه حلقة مفرغة من الوحشية التي تغذي بعضها.

والصورة التي يقدمها بن غفير ليست صورة رجل شاذ عن قواعد نظامه، بل هي الصورة الأكثر صدقاً لنظام يمارس إعدام الأسرى كسياسة يومية – إعداما ماديا ورمزيا -. فالرجل الذي نصب صورة المتطرّف باروخ غولدشتاين في منزله، والذي حلم علناً بطرد العرب وتهجيرهم، هو نفسه الوزير الذي يشرف على سجون الاحتلال، وعلى ظروف احتجاز آلاف الفلسطينيين. ليس من قبيل الصدفة أن يتزامن صعوده مع تصاعد حالات موت الأسرى في المعتقلات، ومع تزايد جرائم الإهمال الطبي المتعمد، ومع تحويل زنازين العزل الانفرادي إلى غرف تعذيب بطيء. كل أسير يموت هو انتصار لثقافة بن غفير، وكل جثة تعود لأهلها ممزقة هي شهادة نجاح لمشروعه في تطهير الأرض من الفلسطينيين، ليس فقط بالقنابل، بل أيضاً بالصبر على موتهم خلف القضبان.

ولو توقفنا عند لحظة الاستيقاظ الأوروبي المتأخر، نجدها أشد إيلاماً من الغفوة نفسها. فبينما كان الفلسطينيون يسحلون ويعتقلون ويعدمون لعقود دون أن يتحرك في الضمير الغربي شعرة، احتاجت أوروبا إلى صورة ناشطة أوروبية تُدفع أرضاً كي تشعر بالغضب. هذا ليس فشلاً في السياسة فقط، بل هو فشل في الإنسانية ذاتها. إنه إعلان صريح أن القيمة الإنسانية للإنسان تُمنح بناءً على جنسيته، ولون بشرته، وقرب مسافته من العواصم الغربية. الأسير الفلسطيني الذي يموت في زنزانته لا يستحق نفس الدرجة من الغضب التي تستحقها الناشطة الأوروبية التي أُهينت أمام الكاميرات. قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين لم يكن سراً، كان ممارسة علنية، لكنها لم تكن تزعج الغرب لأن الضحية كان فلسطينياً. أما حين انتقل الإذلال إلى جسد أوروبي، تحركت الآليات الدبلوماسية البطيئة، وأصدرت البيانات المستنكرة، ومنعت التأشيرات. ولكن ماذا عن مئات الأسرى الذين ماتوا في سجون الاحتلال؟ ماذا عن أولئك الذين قضوا نحبهم تحت آلة التعذيب الجهنمي، أو بسبب الحرمان من العلاج، أو في غرف التحقيق المغلقة؟

إن ازدواجية المعايير الغربية لم تبلغ ذروتها في التعامل مع بن غفير وحده، بل في استمرار التطبيع مع حكومة بأكملها تشرعن إعدام الأسرى كسياسة دولة. فمنع وزير متطرف من دخول باريس لا يعني شيئاً حين تستمر الصفقات العسكرية، وحين تستقبل العواصم الغربية وزراء إسرائيليين آخرين يتحملون المسؤولية نفسها عن موت الأسرى. إنها سياسة “نعم للحزم الأخلاقي الظاهر، لا للتغيير الجوهري”.

ولو تمت إبادة الفلسطينيين عن آخرهم، لما تحركت شعرة في رأس الغرب الاستعماري للإنصاف. هذه الجملة ليست تهويماً خطابياً، بل هي قراءة باردة لواقع أثبتته العقود. فمنذ النكبة، والغرب يقدم لإسرائيل الغطاء السياسي والعسكري، ويغضّ الطرف عن جرائمها اليومية، بما فيها إعدام الأسرى. فلسطيني يموت في زنزانته، وأوروبا تناقش “الإجراءات التأديبية”. فلسطيني يُقتل بعد تعذيب، وأمريكا تبارك “حق إسرائيل في الأمن”. فلسطيني يُسحل في الممرات، والعالم الغربي يتحدث عن “ظروف احتجاز صعبة”. إنها أخلاقيات مقلوبة، تضع المجرم في موقع الضحية، والضحية في موقع المتهم.

وإذا انتقلنا من النفاق الغربي إلى التخاذل العربي، نجد المسرحية ذاتها لكن بثياب مختلفة. فبينما تستنكر أوروبا بن غفير ببيانات باردة، تتفرّج الأنظمة العربية على التنكيل الذي تعرض له نشطاء أسطول الحرية، وعلى استمرار إعدام الأسرى الفلسطينيين دون أن ترفع صوتاً. أسطول الحرية الذي هوجم في المياه الدولية – قبل عقد ونصف-، والذي قُتل على متنه ناشطون أتراك، كان اختباراً حقيقياً للضمير العربي، فكانت النتيجة صفراً كبيراً. لا تحرك عربي حقيقي، لا عقوبات، لا قطع علاقات، لا حتى كلمة غاضبة بحجم الكارثة. وكأن العرب قد أرهنوا كرامتهم لدى المكاتب الغربية، ورضوا بأن يكونوا مجرد متفرجين على مأساتهم. أين كانت الجامعة العربية حين كان الأسرى الفلسطينيون يموتون واحداً تلو الآخر؟ أين كانت الصدمة العربية حين كانت جثث المعتقلين تعود ممزقة ومحروقة؟ هل كانت تلك الأرواح أقل قيمة من دماء الناشطين الذين ظهروا في فيديو بن غفير مؤخرا؟

أما الاستثناء الوحيد الذي يضيء في هذا الظلام العربي الكثيف، فهو رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، الرجل الذي كان عربياً حقيقياً حين اشتعلت في أوصاله دماء العروبة الحقيقية، فلم ينتظر أن يرى فيديو لبن غفير ليعرف الحقيقة، بل كان سباقاً في الاعتراف بدولة فلسطين، وفي الوقوف إلى جانب الحق رغم الضغوط. سانشيز الذي تارت في عروقه دماء لم تذبل بعد، يذكرنا بأن الاستقامة السياسية ليست مرتبطة بالجغرافيا بل بالضمير. بينما كان العرب يبحثون عن أعذار للتخلف عن الموعد، جاء إسباني ليعلمهم معنى أن تكون شجاعاً في موقفك، وأن تقف ضد قانون إعدام الأسرى وإذلال المعتقلين، ليس لأن الضحية أوروبية، بل لأن الظلم ظلم حيثما كان.

وفي العمق، هذه الأزمة ليست أزمة علاقات دولية، بل أزمة وجودية في مفهوم الإنسانية نفسه. فإذا كنا نعتقد أن هناك قيّما إنسانية مشتركة، وإذا كنا نؤمن بأن حقوق الإنسان عالمية، فإننا مضطرون إلى الاعتراف بأن الممارسة الغربية أثبتت العكس تماماً. الإنسانية التي يتحدث عنها الغرب هي إنسانية انتقائية، تُمنح وتُسحب حسب المصالح. وحين نرى أن استنكار فرنسا لبن غفير لم يصاحبه استنكار لاستمرار  تعذيب وإعدام الأسرى الفلسطينيين، فإننا نفهم أن القضية ليست قضية قيّم، بل قضية إحراج. الغرب ليس غاضباً لأن بن غفير وحش، الغرب غاضب لأنه أظهر وجهه القبيح أمام الكاميرات، وأفشى السر الذي كان من المفترض أن يبقى مخفياً: أن إسرائيل تمارس إعدام الأسرى وإذلالهم كسياسة يومية، وأن الغرب كان يعرف ذلك ويتغاضى عنه. لكن الفيديو جعل السر علناً، فكان رد الفعل الأوروبي المتأخر محاولة يائسة لإنقاذ ما تبقى من مصداقية أخلاقية، لكنها محاولة فاشلة لأن التاريخ لن ينسى أن أوروبا شهدت على موت الأسرى الفلسطينيين بصمت، ولم تتحرك إلا حين طال الإذلال جسداً أوروبياً

إن ما يفعله بن غفير اليوم، وما كانت تفعله حكومات إسرائيلية سابقة، هو استمرار لسياسة إعدام الأسرى التي بدأت مع أول أسير فلسطيني. كل جثة تعود من السجن، كل معتقل يختفي خلف الجدران، كل شاب يموت تحت التعذيب، هو جزء من هذه المذبحة البطيئة. والغرب الذي يقرأ اليوم اسم بن غفير بغضب، كان يقرأ أسماء الأسرى القتلى في تقارير منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش دون أن يتحرك. وهذا هو الفارق بين من يمتلكون جسدا في الخريطة السياسية، ومن يمتلكون وجوداً في الخريطة الأخلاقية فقط.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.