- الاستاذ حسوني قدور بن موسى
المحامي بهيئة وجدة
القانون الدستوري كما درسناه بشعبة العلوم السياسية دبلوم الدراسات العليا بكلية الحقوق هو فرع اساسي من فروع القانون العام تتميز قواعده بأنها القواعد الأسمى في الدولة و وفقا لتدرج القوانين ، يجب على جميع التشريعات العادية الأخرى مثل القوانين الجنائيئة و المدنية و المهنية احترام الدستور و عدم مخالفته و الا اعتبرت باطلة بطلانا مطلقا ، و يستمد هذا القانون احكامه و مبادئه من عدة مصادر رئيسية ابرزها التشريع الدستوري و العرف الدستوري ثم الفقه و القضاء الدستوري.
بعد سلسلة من احتجاجات المحامين و التوقف المستمر عن العمل تعبيرا عن رفض تعديلات مشروع القانون الجديد أحال مجلس النواب هذا المشروع على المحكمة الدستورية للبت فيه لانهاء معركة المحامين مع وزير العدل قبل المصادقة النهائية عليه.
فما هي أهم المواد في هذا المشروع التي ستثير نقاشا دستوريا امام المحكمة الدستورية ؟
من المعروف ان المحكمة الدستورية تتولى مراقبة دستورية القوانين و البت في صحة الانتخابات و كذلك الاستفتاءات بالاضافة الى حل الخلافات المؤسساتية و تقديم المشورة لرئيس الحكومة و الرقابة على دستورية القوانين رقابة وقائية حيث تفحص المحكمة القوانين التنظيمية و الانظمة الداخلية للبرلمان قبل اصدار الأمر بتنفيذها أو الشروع في تطبيقها للتأكد من مطابقتها للدستور ، و يمكن للملك او رئيس الحكومة او رئيس البرلمان او عدد محدد من البرلمانيين احالة القوانين العادية او الاتفاقات الدولية على المحكمة الدستورية قبل المصادقة عليها، و تبت المحكمة الدستورية في الخلافات و تفصل في النزاعات بين البرلمان و الحكومة حول مقترحات تعديلات القوانين التي ترى الحكومة انها خارجة عن مجال التشريع.
تنص المادة 129 من مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة على تحديد مدة انتداب النقيب في 3 سنوات غير قابلة للتجديد ، بينما حددت مدة انتداب أعضاء مجلس الهيئة في 3 سنوات قابلة للتجديد
ان مسالة اعادة انتخاب النقيب لعدة فترات متتالية و في بعض الاحيان يظل جاثما على صدر هيئة المحامين لسنوات عديدة دون معارض و لا منازع ، يعتبر اسلوبا غريبا احتكاريا يجعل منصب النقيب مقتصرا على
أسماء معينة و محرما على باقي
المحامين المغضوب عليهم الخارجبن عن الطاعة و الولاء لبعض الجهات المسيطرة على انتخابات مجالس الهيئات ، لكن من الناحية الأدبية و الحقوقية يعتبر احتكار المناصب مدى الحياة لفترات متعاقبة اخلالا جوهريا خطيرا يفسد الديمقراطية و مبدأ تكافؤ الفرص والمساواة و المنافسة الشريفة ، في الحقيقة ان انتخاب النقيب لفترات و سنوات عديدة دون معارضة يعتبر عملا تحكميا مخالفا لعملية التجديد المؤسساتي كما انه يكرس ممارسات اقصاء الكفاءات العلمية و المهنية الشابة و يمنعها من تولي المسؤولية كما انه يحول المناصب و الوظائف العامة إلى امتيازات شخصية و ريع مهني فهذا الاسلوب الاحتكاري يتنافى صراحة مع مبادئ العدالة و المساواة و الديمقراطية و يؤدي استمرار احتكار المناصب مدى الحياة إلى عدة عواقب سلبية مباشرة و هي تتمثل خاصة في تعطيل التطور الإداري و غياب دماء جديدة و كذلك يعيق الابتكار و التحديث في أساليب العمل كما يؤدي ايضا الى تكريس الامتيازات و يحول منصب نقيب الهيئة من خدمة مهنية شريفة و مجتمعية إلى منافع شخصية و يقلل ايضا من حافز الكفاءات و الأطر الطموحة لعدم وجود آفاق للترشيح والوصول إلى مراكز القرار لضمان تكافؤ الفرص ، تعتمد العديد من الأنظمة الديمقراطية الحديثة في الدول الديمقراطية على آليات فعالة للحد من هذه الظاهرة السلبية مثل تحديد فترة الولاية و وضع حد أقصى لعدد الفترات التي يمكن فيها للفرد تولي منصب او وظيفة معينة و فتح باب التباري و الترشح بشفافية بناءً على معايير الكفاءة العلمية و المهنية و الاستحقاق و ربط البقاء في المنصب بتحقيق الأهداف و المصلحةَ العامة و تقييم الأداء الدوري و لهذا فان التعديل الذي ينص على ان الترشيح لمنصب النقيب يكون لفترة واحدة غير قابلة للتجديد تعديل ممتاز و جيد ينسجم تماما مع مبادئ الديمقراطية و المساواة في تولي المناصب و مع حقوق الانسان، و بالعكس فان بقاء شخص في منصب المسؤولية طوال حياته يعتبر انحرافا مهنيا خطيرا مرفوضا اجتماعيا و سياسيا و حقوقيا كما انه يُصنف غالباً ضمن ممارسات الاستبداد و التسلط و التغول نظراً لتناقضه الجذري الواضح مع قيم التداول السلمي للسلطة والمحاسبة.
يؤدي استمرار احتكار المناصب لفترات متعددة إلى عدة عواقب سلبية مباشرة تتمثل خاصة في تعطيل التطور الإداري و غياب دماء جديدة و يعيق الابتكار والتحديث في أساليب العمل و يؤدي كذلك الى تكريس الامتيازات و يحول الوظيفة العامة أو المنصب المهني من خدمة مجتمعية لها اهداف نبيلة الى ريع و إلى منفعة خاصة و يقلل من حافز الكفاءات و الأطر الطموحة لعدم وجود آفاق للترشيح و الوصول إلى مراكز القرار لضمان تكافؤ الفرص، و تعتمد العديد من الأنظمة الحديثة آليات فعالة للحد من هذه الظاهرة السلبية مثل تحديد الولايات و وضح
حد أقصى لعدد الفترات التي يمكن للفرد فيها تولي منصب معين و فتح باب التباري والترشح بشفافية بناءً على معايير الكفاءة و الاستحقاق و ربط البقاء في المنصب بتحقيق الأهداف و المصلحةَ العامة و تقييم الأداء الدوري ، و لهذا فان التعديل الذي ينص على منع اعادة انتخاب النقيب مرتين متتاليتين إجراء ديمقراطي حقوقي ممتاز لا يتنافى اطلاقا مع مبادئ الدستور و مع مبدأ المساواة و الديمقراطية و حقوق الانسان و أن نفس المقتضيات القانونية هي موضوع مطالبة من طرف الاحزاب السياسية و النقابات و قانون الوظيفة العمومية حيث قامت بعض الأحزاب السياسية الديمقراطية بتعديل قوانينها الأساسية و انظمتها الداخلية لمنع تقلد نفس المنصب الحزبي مثل الأمين العام او الكاتب العام لاكثر من ولايتين متتاليين و الهدف من ذلك هو مكافحة جميع اشكال الريع و منع احتكار المناصب مدى الحياة دون منازع و لا معارض، كذلك يؤدي هذا المبدأ الذي يمنع المنصب مدى الحياة الى تجديد النخب و محاربة الريع و تكريس الديمقراطية الداخلية و منع الاستحواذ على المناصب عن طريق شراء الاصوات و اقامة الولائم و الحفلات و ما يرافق ذلك من بذخ و عطاء و تبذير الاموال العمومية ذلك ان فكرة احتكار المسؤولية عن طريق اساليب لا تليق باهداف الهيئات المهنية و الحقوقية ،كل تلك الاساليب تستعمل عن طريق المال الحرام
و شراء الاصوات و تنظيم الحفلات و الموائد و اللقاءات و هذا يتناقض صراحة مع جوهر الممارسة الديمقراطية و مع مبدأ التناوب
السلمي على السلطة ، هذا يؤدي إلى إضعاف المؤسسات و الحد من تكافؤ الفرص و غياب التجديد في النخب، مما يحرم الإدارة والعمل المهني و السياسي من الكفاءات و النخب الجديدة، في السياق الديمقراطي و المؤسساتي، تتجلى خطورة احتكار المناصب في ضرب مبدا التناوب على المسؤولية في الصميم لان الديمقراطية الحقيقية تقوم على
أساس التنافس الحر بين الأطر و الاحتكام لصناديق الاقتراع ، لكن استمرار نفس الوجوه في مناصب القرار لفترات طويلة يعطل مسيرة التغيير و ان غياب المساءلة يؤدي إلى تراكم الأخطاء و يخلق مراكز نفوذ قد تفلت من آليات المراقبة والمحاسبة الفعالة كما ان تضارب المصالح و الاستئثار بالمناصب يفتح الباب امام استغلال النفود لتحقيق
مصالح مادية شخصية على حساب الصالح العام و لتكريس هذه المبادئ نص الدستور لسنة 2011بالمحاسبة على ربط المسؤولية و محاربة أشكال الاحتكار و الامتياز ، وتشجيع مشاركة الأحزاب السياسية في ممارسة السلطة على أساس التعددية والتناوب.
ثالثا : مشكل المساعدة القضائية
انتقل ملف المساعدة القضائية ببلادنا من خانة الترافع الاجتماعي التقليدي إلى عمق التدقيق الرقابي والمحاسبة الدستورية، حيث وضعت المجموعة النيابية للعدالة والتنمية تدبير الاعتمادات المالية الموجهة لتأمين حق الفئات الهشة في التقاضي تحت مجهر المساءلة، مطالبة برفع السرية عن لغة الأرقام وقطع دابر العموميات التي طالما طبعت الأجوبة الحكومية في هذا الصرح.
وجاء هذا الحراك التشريعي عبر سؤال كتابي دقيق وجهه رئيس المجموعة عبد الله بووانو إلى وزير العدل عبد اللطيف وهبي، نبش من خلاله في المسار المالي للمخصصات المرصودة باسم المعوزين، متسائلا عن المعايير الحقيقية الحاكمة لتوزيع تلك الأموال بين حاجيات المرتفقين ومتطلبات المنظومة المهنية للمحامين المكلفين بتمثيلهم، المنطلق الذي تأسس عليه هذا الاستفسار النيابي يستند بالأساس إلى المعطيات المقتضبة التي سبق لوزير العدل أن عرضها تحت قبة مجلس المستشارين بجلسة 8 يونيو 2026. وهي المعطيات التي اعتبرها بووانو غير كافية لإزاحة الضبابية عن آلية قانونية وجدت أصلا لضمان مبدأ المساواة أمام القضاء، والحيلولة دون تحول كلفة الرسوم والأتعاب إلى حاجز طبقي.
رابعا: مراقبة اموال هيئات المحامين
هذا الموضوع يثار حوله جدلا حادا يطرح السؤال الرئيسي حول مأل أموال صناديق هيئات المحامين و صناديق الودائع التي فرض قانون مهنة المحاماة الجديد اخضاعها لرقابة المجلس الأعلى للحسابات و الزامية عقد نموذجي موحد للاتعاب و في هذا الصدد فان اسباب الطعن التي تثيرها جمعية هيئات المحامين بالمغرب ان المحاماة هيئة مستقلة دستوريا و ان اخضاعها للرقابة يضرب استقلالية المهنة في الصميم و يشكل وصاية إدارية على هيئات المحامين، و هذا حسب راي الجمعية يتعارض مع مبدأ استقلال المحامي كما تضيف جمعية هيئات المحامين بان مراقبة الودائع قد يمس بسرية العلاقة بين المحامي و موكله لكن توجه الجمعية يتعارض مع الفصل 147 من الدستور الذي ينص على ما يلي :” المجلس الأعلى للحسابات هو الهيئة العليا لمراقبة المالية العمومية و يمارس الرقابة العليا على تنفيذ قوانين المالية و يتولى مراقبة و تتبع التصريح بالممتلكات و تدقيق حسابات الأحزاب و فحص نفقات العمليات الانتخابية و لهذا فهو يمارس مهمة و تدعيم و حماية مبادئ و قيم الحكامة الجيدة و الشفافية و المحاسبة بالنسبه للدولة و الاجهزة العمومية…و بما ان اموال صناديق الاحزاب السياسية و هي ليست ادارات عمومية تخضع لمراقبة المجلس الأعلى للحسابات فان نفس المعايير تنطبق على صناديق هيئات المحامين و لهذا فإن قانون مهنة المحاماة ربط المسؤولية بالمحاسبة
لان الشفافية مطلوبة في تدبير المال العام و الخاص على حد سواء و ان الغرض من فرض مراقبة مالية على هيئات المحامين يهدف إلى قطع الطريق على كل من تسول له نفسه اختلاس اموال المحامين و حماية ودائع المواطنين و هذا هدف دستوري مشروع لا يعارضه المحامون الشرفاء الذين يرغبون في ممارسة المهنة في أجواء الشفافية و المحاسبة المالية و حماية مصالح المواطنين لان مراقبة اموال هيئات المحامين لا تتعارض اطلاقا مع الدستور بل بالعكس انها تؤكد على تفعيل مبدأ المحاسبة و الشفافية و تحمي حقوق المواطنين و ان الهدف هو تخليق مهنة المحاماة و محاربة الفساد و المفسدين و هذا هدف دستوري يوكد بكل وضوح على مبدا ربط المسؤولية بالمحاسبة لكن و بصفة عامة فان المراقبة والمحاسبة إجراء ديمقراطي لا يعارضه الا الذين يتولون مناصب المسؤولية في الجمعيات و الاحزاب السياسية الذين يخافون من انقطاع الريع لأنهم ذاقوا حلاوةَ المال و كرسي السلطة فهم يرفضون اخضاع الصناديق الى المراقبة و المحاسبة ، هذه مجرد ملاحظات سريعة لا اقصد من وراءها اي اساءة لاية جهة بل هي تعبير عن راي و التعببر عن الراي مقدس في جميع القوانين الداخلية والدولية.









