الهروب الكبير إلى سبتة ومليلية.. مرآة مشروخة لمغرب ما بعد الحداثة

admin
2026-08-01T03:18:21+02:00
مقالات رئيس التحرير
admin1 أغسطس 2026آخر تحديث : منذ 12 ساعة
الهروب الكبير إلى سبتة ومليلية.. مرآة مشروخة لمغرب ما بعد الحداثة
  • مصطفى قشنني

ليس ما جرى في سبتة ومليلية مجرد هروب جماعي أو أزمة هجرة عابرة، إنه لحظة انكشاف عنيف، كشفت عن خلل بنيوي في كياننا الجمعي، عن تصدّع في الجدار الذي نبني عليه أوهامنا عن الدولة والمواطنة والتنمية. عندما يقتحم ستون ألف مواطن – جلهم من الشباب – الحدود في ساعات، فإنهم لا يغادرون وطنهم فقط، بل يتركون خلفهم رسالة مكتوبة بأقدامهم العارية: أن هذا الوطن، كما هو قائم، لم يعد يحتمل.

هذه الظاهرة ليست وليدة اللحظة، ولكنها نتيجة تراكمية لعقود من السياسات الفاشلة التي جعلت من الإنسان وسيلة وليس غاية. هناك فجوة سحيقة بين الخطاب الرسمي الوردي عن النمو والمؤشرات الاقتصادية القوية، وبين الواقع اليومي الهش لملايين الشباب الذين ينظرون إلى المستقبل فيرون جدارًا من الحديد والخرسانة، بينما ترفرف أمامهم على شاشات هواتفهم الذكية صور حياة أخرى، وإن كانت وهمية، فإنها تبدو أكثر إغراءً من الحقيقة القاسية التي يعيشونها.

القضية ليست اقتصادية فحسب، بل هي أزمة وجودية تخيم على جيل كامل. إنه جيل فقد الثقة في العدالة الاجتماعية، في قدرة المؤسسات على احتواء طموحاته، في نزاهة النظام التعليمي الذي يخرّج عاطلين عن العمل – شبههم السوسيولوجي المغربي محمد جسوس بأجيال من الضباع -، وفي النخب السياسية التي تدور في فلك مغلق من المصالح والامتيازات و “أتفرقيش”. هذه الثقة المعدومة هي التي جعلت شائعة واحدة، مجرد تفسير خاطئ لحكم قضائي، كافية لتحريك أمواج من البشر، كأنهم ينتظرون فقط أيذانًا بالفرار من “سجنهم” الجغرافي والاجتماعي.

نعم، ما حدث هو استفتاء شعبي عكسي بامتياز قبل 23 شتنبر 2026. ذلك أن هؤلاء الشباب لم يذهبوا إلى صناديق الاقتراع، بل ذهبوا إلى البحر – مسبقا-، وصوّتوا بأرواحهم ضد واقعهم البئيس. إنها لحظة المفكر الألماني كارل شميت الأبدية، حيث يتجلى القرار السياسي السيادي في اللحظة الاستثنائية، هنا كان القرار السيادي الفردي هو تجاوز سيادة الدولة على حدودها، وكأن المواطن قرر أن يمارس حقه في العصيان المدني – المرفوض – بلغة ما وراء القانون، بلغة البقاء أو الموت.

إن الصورة التي ارتسمت في وسائل الإعلام العالمية، لشباب مغاربة يتسلقون الأسلاك الشائكة ويتحدون الموت إبحارا وغرقا، هي صورة مشروخة لمغرب يريد أن يكون محورًا إقليميًا وقطبًا استثماريًا. هذه الصورة تناقض تمامًا الصورة النمطية التي يسوقها الخطاب الرسمي عن “المغرب الجديد” و”النموذج التنموي”. إنها تفضح التناقض بين الطموحات الجيوسياسية الكبرى والقدرة على إدارة الأزمات الإنسانية الصغرى، بين التباهي بالمشاريع العملاقة والفشل في توفير الحد الأدنى من الكرامة والعدالة الإجتماعية لمواطنيه.

لا يمكننا التهرب من السؤال المؤلم: كيف وصلنا إلى هنا؟ الجواب معقد، ولكنه يتلخص في أن الحداثة المغربية كانت دائمًا حداثة شكلية، تغييبًا للجوهر تحت ستار التقليد. لقد استوردنا مؤسسات دون أن نستورد روحها، بنينا مدنًا دون أن نبني مواطنين، رفعنا شعارات التنمية البشرية دون أن نمنح الإنسان الأدوات الحقيقية للتمكين. الأزمة ليست في الأسلاك الشائكة التي أحاطت بسبتة ومليلية، بل في الأسلاك الشائكة التي أحطنا بها عقولنا، وجعلنا نرى في الهجرة حلاً وليس نتيجة حتمية لفشل سياساتنا الداخلية.

إن الذين قادوا هذه الموجة، أو استغلوها، هم ضحايا بامتياز، ولكنهم أيضًا مرآة تعكس تشوّهات النظام السياسي. عندما يجد الشباب أن السبيل الوحيد للتعبير عن يأسهم هو المخاطرة بحياتهم في عرض البحر، فهذا يعني أن كل قنوات التعبير السلمي والمؤسساتي قد انسدّت. إنه إفلاس للعقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن، عقد يقوم على تبادل المصالح، حيث يقدّم المواطن ولاءه وطاعته مقابل الأمن والرخاء، وعندما يختلّ أحد الطرفين، ينهار العقد بأكمله.

الواقع أن سياسات الهجرة، سواء في المغرب أو في أوروبا، كانت دائمًا سياسات رد فعل، لا سياسات استباقية. ننتظر حتى تفيض الأزمة، ثم نهرع إلى الحلول الأمنية والقمعية، وكأننا نعالج السرطان بالمسكنات. ولكن الأمن وحده لا يكفي، لأن الدوافع أعمق بكثير من أن تُردع بالحدود أو بالزوارق. الأمن قد يوقف الأجساد لحظةً، لكنه لا يستطيع أن يحبس الأحلام، ولا أن يجفف منابع اليأس التي تغذي هذه الحركة البشرية الدائمة.

نحن أمام لحظة تأسيسية جديدة، ليس في علاقة المغرب بأوروبا فحسب، بل في علاقته بنفسه. الأزمة الحالية تدعونا إلى إعادة التفكير في مفهوم السيادة ذاتها. السيادة ليست فقط في القدرة على منع الناس من المغادرة، بل في القدرة على جعلهم يرغبون في البقاء. السيادة ليست في فرض الجوازات والتأشيرات، بل في خلق ظروف تجعل من الجواز المغربي بطاقة افتخار وليس شهادة فقر.

الدرس الأعمق الذي تلقيه أحداث سبتة ومليلية هو أن العالم لم يعد يحتمل الانقسامات الوهمية بين شمال وجنوب، بين عالم متقدم وآخر متخلف. الهجرة الجماعية هي واحدة من آليات هذا العالم الجديد، حيث الحدود أصبحت أكثر مرونة في مواجهة حركة رؤوس الأموال والبضائع، ولكنها أكثر صلابة في مواجهة حركة البشر. هذا التناقض هو جوهر الأزمة، وهنا تكمن مسؤولية النخب المفكرة والسياسية في المغرب.

إن على المغرب أن يخرج من حالة الإنكار، وأن يعترف بأن أزمة الهجرة ليست مشكلة أمنية عابرة، بل هي اختبار حقيقي لقدرته على تحمل مسؤولياته الإنسانية والسياسية. نحتاج إلى مراجعة جذرية لسياساتنا التنموية، وإلى إعادة توزيع الثروة بشكل أكثر عدلاً، وإلى نظام تعليمي يزرع الأمل لا اليأس، وإلى خطاب سياسي يتوقف عن استغلال الوطنية الزائفة لتغطية الفشل الداخلي.

ما حدث في سبتة ومليلية هو فضيحة أخلاقية بالدرجة الأولى، قبل أن يكون فضيحة سياسية. إنه يظهر أن عشرات الآلاف من أبناء هذا البلد فضّلوا المجهول على المعلوم، فضّلوا الغرق على الجوع، فضّلوا الموت على الحياة المهينة. وهذه ليست وصمة عار على جبين الحكومات المتعاقبة فقط، بل هي وصمة على جبين كل من ساهم، بقصد أو بغير قصد، في خلق هذا الواقع المأسوي.

لا يمكن أن نمر على هذه اللحظة وكأنها لم تكن. نحن أمام فرصة ذهبية، وإن كانت مأساوية، لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة، أسس تقوم على الإنسان أولاً، على كرامته وحقه في الحياة الكريمة. أما إذا استمرينا في التعامل مع الأعراض، وتجاهلنا الجذور، فسنظل ننتظر الموجة القادمة، التي قد تكون أكبر وأعنف وأعتى، لا قدر الله.

اللهم اجعل هذا البلد آمنا..

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.