- مصطفى قشنني
ثمة لحظات في تاريخ الأمم تتكشف فيها الأقنعة ولو بعد حين، وتلك التي نعيشها اليوم مع بلاغ وزارة الداخلية حول مأساة سبتة ومليلية هي واحدة من تلك اللحظات التي ينهار فيها ستار الصمت المقدس ليكشف عن خطاب أمني بارد في عزّ الصيف، يتعامل مع الموتى كأرقام إحصائية، ومع البحر كمجرد مسطح مائي يجب السيطرة عليه، ومع الحدود كخطوط دفاع أمام أوروبا لا كجسور نحو مستقبل لأبنائنا. لقد خرج “الناطق الرسمي” الذي لم نكن نعرف بوجوده من قبل، وكأنه لم يكن إلا كاميرا خفية تنتظر لحظة الكارثة لتقول للملأ ما كان مسكوتاً عنه، لكنه حين نطق لم يأت برحمةٍ ولا بحكمةٍ ولا بسياسةٍ جديدة، بل جاء ليكرّسَ منطقاً أمنياً متجذراً جعل من المهاجرين خطراً يجب إحباطه، ومن البحر ساحة قتال، ومن الشباب المغربي عبئاً يجب رده إلى الخلف، دون أن يسأل نفسه لحظةً: لماذا يخاطر هؤلاء بحياتهم في عرض البحر، وهم يدركون أن الموت هناك أقرب إليهم من الحياة هنا؟ إنه الغياب المريب لأي اعتراف بأن هذه المحاولات الجماعية للعبور ليست مؤامرة عصابات ولا وهم رقمي، ولا هم يحزنون، بل هي نتاج حتمي لسياسات تنموية فاشلة، ونتاج استمرار التفاوت الاجتماعي والطبقي والدوس على الكرامة الإنسانية بمختلف الأساليب القمعية،يجعل حلم أوروبا أكثر إشراقاً من أي واقع يمكن أن توفره الدولة لأبنائها، ونتاج انسداد الأفق الذي يجعل من مخاطرة الموت غرقاً خياراً عقلانياً لمن لا يجد في بلده ما يرجوه.
إن بلاغ وزارة الداخلية، في لغته الباردة الأمنية، يبدو وكأنه نسخة مكررة من بيانات حرس الحدود الإسباني، لا فرق بينهما إلا في اللغة العربية، وكأن المغرب قد صار درعاً أوروبية متحركة، تدافع عن حدود القارة العجوز بكل ما أوتيت من قوة، حتى لو كان الثمن هو أجساد شبابها تطفو على سطح الماء. إن الحديث عن “التأويلات الخاطئة للقرارات القضائية الإسبانية” كشماعة أو كسبب رئيسي للهجرة، هو محاولة بائسة يائسة لخلع عبء المسؤولية عن الذات وإسقاطها على القضاء الإسباني، وكأن شبابنا لا يملكون عقولاً تدرك واقعهم، وكأن الدافع إلى الهجرة ليس هو الفقر المدقع والبطالة المقنعة التي تحاصرهم، بل مجرد سوء فهم لنص قانوني! هذا تحويل للقضية من قضية إنسانية ومعيشية إلى قضية تأويلية قانونية، تنم عن انفصام حاد بين رؤية الوزارة – أم الوزارات يا حسرتاه – وواقع الناس، وكأنهم يعيشون في كوكب آخر حيث لا وجود للفقر ولا للإحباط ولا للشعور بالهامشية، بل فقط عصابات وافتراضات قانونية خاطئة.
ويزداد البلاغ غرابة حين يتباهى بالأرقام الدقيقة، وبأن حوالي أربعين ألف شخص حاولوا العبور نحو سبتة، وأكثر من ألف نحو مليلية، وكأن هذا العدد الهائل ليس دليلاً على أزمة اجتماعية خانقة، بل مجرد مؤشر على نجاح منظومة الرصد الأمني في إحصاء “العابرين”. تلك الأرقام التي يقدمها البلاغ باعتبارها “مرجعاً معتمداً” هي في الحقيقة شهادة إدانة صريحة على فشل كل السياسات التنموية، فكيف يظل أربعون ألف شخص، في وقت قياسي، يجدون في الموت غرقاً خياراً أفضل من البقاء في بلدهم؟ أليس هذا دليلاً قاطعاً على أن الخلل ليس في القضاء الإسباني، ولا في عصابات تهريب البشر، ولا في الفضاء الرقمي المضلل، بل في خلل بنيوي يتمثل في جعل المواطن يشعر بأنه غريب في بلده، وأن الحلم الوحيد المتبقي له هو أن يصبح مهاجراً غير نظامي حتى لو كلفه ذلك حياته؟
ثم يصل البلاغ إلى ذروة البرود في السرد حين يذكر “حالة وفاة عرضية واحدة” و”10 حالات وفاة ناجمة عن الغرق”، – لسنا ندري من أين جاؤوا بهذه الأرقام – وكأن هذه الأرواح ليست سوى إحصائيات تُدرج في تقارير أمنية، وكأن العبرة ليست في المأساة الإنسانية بل في دقة التصنيف! أين هي نظرة الرحمة التي يفترض أن تميز خطاب دولة تسعى إلى حماية مواطنيها؟ كيف يمكن لوزارة أن تتحدث عن أربعين قتيلاً وكأنهم مجرد “حالات” عابرة في سياق عملية أمنية ناجحة؟ هذا هو الكفر بعينه كما يقول المثل، ليس الكفر بالدين بل الكفر بالإنسانية، وإنكار الحق في الحياة والكرامة، وتحويل السياسة إلى مجرد إجراءات أمنية باردة تتعامل مع البشر كأنهم قطع شطرنج على رقعة حدودية، حيث الهدف الوحيد هو منع الوصول، لا إنقاذ الأرواح ولا معالجة الأسباب. إنها سياسة “الأقدام الحافية” حقاً، سياسة تجعل المواطن يحس أنه عاري من الحماية، عاري من الكرامة، عاري من أي مستقبل ينتظره داخل حدوده، حتى بات الموت في البحر أكثر إنسانية بالنسبة له من الحياة بين جدران وطنه.
وإذا كان البلاغ يشير إلى فتح المعابر أمام “الراغبين في العودة بمحض إرادتهم”، فإن هذه العبارة في حد ذاتها تحمل تناقضاً مكشوفاً، فكيف تكون العودة بمحض الإرادة لمن كان قد غامر بحياته للعبور، ومن كان قد قطع مئات الكيلومترات وألقى بنفسه في الماء؟ إنها ليست إرادة حرة، بل إرادة مكسورة بعد أن صدمهم الواقع الأمني والعسكري، ووجدوا أنفسهم بين مطرقة الحلم الأوروبي وسندان الحماية الحدودية المغربية التي لا تتوانى في ردهم بقوة، مما يجعل “العودة الطوعية” مجرد تسمية سياسية لصفعة جديدة في وجه كل طامح في حياة كريمة.
إن ما يحدث على الحدود الشمالية ليس مجرد أزمة هجرة، بل هو مرآة تعكس أزمة الدولة ذاتها، أزمة هوية، أزمة رؤية، أزمة حوكمة. فالحدود التي يفترض أن تكون نقاط عبور وتبادل وانفتاح تحولت إلى ساحات حرب، والمواطن الذي يفترض أن يكون محور التنمية تحول إلى عدو محتمل، والأوروبي الذي يفترض أن يكون شريكاً تحول إلى سيد يراقب أداء حراس بوابته الجنوبية. وفي هذا التحول الدراماتيكي يفقد المغرب جزءاً من روحه، ويصبح مجرد حارس بوابات لقارة لا تريد مشاركته ثرواتها، لكنها تريد مشاركته مشاكله، وتريد من حراسها أن يكونوا أكثر شراسة من حراسها هم أنفسهم. إنه موقف مأساوي، يجعل الشعب المغربي يدفع ثمن أمن أوروبا بأرواح أبنائه، بينما تظل أوروبا تتفرج وتشكر وتصفق، دون أن تقدم حلولاً جذرية للفقر والبطالة التي تدفع بهؤلاء الشباب إلى الموت.
وإذ تعلن وزارة الداخلية أنها “لن تدخر أي جهد في اتخاذ كل التدابير اللازمة لحماية النظام العام وصون أمن الحدود”، فإنها بذلك تؤكد أن أولويتها هي النظام العام، وليس الإنسان، وأن الأمن الحدودي هو الهدف، وليس حماية المواطن من يأس قاتل. هذا الإعلان، في طابعه الأمني المحض، هو إعلان استسلام ضمني للرؤية الأوروبية التي تريد من المغرب أن يكون شرطياً حدودياً، لا دولة تنموية شاملة، وهو إعلان بأن وزارة الداخلية اختارت أن تكون جهازاً أمنياً صرفاً، ليس لها في الحياة الوطنية إلا مهمة الحماية والردع، لا مهمة البناء والتنمية وفتح الأفق. لكن الحقيقة التي تغيب عن البلاغ، والتي لا يمكن محوها بأي عدد من الأرقام أو التأويلات القانونية، هي أن الحدود التي يحميها المغرب بهذه القسوة ليست حدوداً طبيعية أو جغرافية فحسب، بل هي حدود تخترق قلوب الشباب وأحلامهم، وتفصل بينهم وبين أبسط حقوقهم في الحياة الكريمة. وهذه الحدود، التي يحاول البلاغ رسمها كخطوط دفاع مقدسة، هي في الواقع خطوط عزل، تفصل الدولة عن شعبها، والحكومة عن همومها الحقيقية، وتجعل من المواطن مجرد متفرج على مستقبله الذي يغيب في ضباب البحر. إنه حقاً صمت دهرٍ جاء بعده نطقُ كفرٍ، كفر بالقيم الإنسانية، وكفر بالمواطنة، وكفر بالحياة ذاتها، حين تصبح السياسة مجرد إحصاءات أمنية، وحين يصبح الموت مجرد حالة عرضية في سياق عملية نظامية ناجحة. فما عسانا إلا أن نردّد مع الشاعر الكبير أبي العلاء المعري:
فيا موتُ زُرْ، إنَّ الحياة ذميمة
ويا نفسُ جِدِّي، إن دهرَك هازلُ.







