مصطفى قشنني
في مشهد يصلح لأن يكون عنواناً لمسرحية عبثية من تأليف كاتب ساخر يعاني من الأرق السياسي، نجد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يصر على السفر إلى نيويورك وكأنه يحمل تأشيرة دخول إلى عالم موازٍ لا تعترف فيه المحكمة الجنائية الدولية بوجودها، بينما عمدة المدينة زهران ممداني يطلق تصريحاته الجريئة واصفاً إياه بـ”مجرم الحرب” و”غير المرحب به”، لكنه سرعان ما يتراجع كمن اصطدم بجدار من حديد، معترفاً بانه “يفتقر إلى السلطة القانونية”، وكأنما اكتشف فجأة أن منصب عمدة نيويورك لا يمنحه صلاحية القبض على رؤساء الوزراء حتى لو كانوا يمارسون الإبادة الجماعية على الهواء مباشرة، وهنا تبدأ الكوميديا السوداء التي تحمل في طياتها سخرية مرة من دولة كانت تقدم نفسها كحامية للعدالة وحارسة للقانون الدولي، لكنها اليوم تتحول إلى عرين لحماية مجرمي الحرب وكأنها قبيلة عربية في زمن الجاهلية، ترفع شعار “لن نسلمكم أخانا” وتضرب بعرض الحائط كل المواثيق الدولية والإنسانية التي وقعت عليها بخط يدها، إنها لحظة فلسفية مذهلة حيث ينهار الأخلاقي أمام السياسي، وينهار السياسي أمام النفوذ، وينهار النفوذ أمام الصداقة العمياء، وتتحول أمريكا إلى شيخ قبيلة يحمي ابن عمه من القصاص، بغض النظر عن حجم الدماء التي سالت أو عدد الأرواح التي أزهقت.
إن ما يحدث في نيويورك اليوم هو سقوط مدوٍ لكل الخطاب الأمريكي الذي طالما تغنت به الإدارات المتعاقبة عن سيادة القانون وعدالة المحاكم الدولية، فها هي الولايات المتحدة التي كانت تتباهى بكونها نموذجاً للديمقراطية والالتزام بالقوانين، تعلن بشكل غير رسمي ورسمي أنها لن تلتزم بمذكرة اعتقال صادرة عن محكمة جنائية دولية، ليس لأنها تعتبر المذكرة غير قانونية، بل لأن المتهم هو “أخونا” وحليفنا الذي لا يمكن تسليمه مهما كانت التهم الموجهة إليه، كأنما القانون الدولي ليس إلا منديلاً ورقيقاً يمكن استخدامه لمسح العرق أو رميه في سلة المهملات حسب المزاج، وكأن المحكمة الجنائية الدولية التي أنشئت لمحاكمة مرتكبي جرائم الحرب والإبادة الجماعية ليست سوى نادٍ فاخر لا يدخله إلا الضعفاء، بينما الأقوياء يقفون على بابه ليصرخوا بأعلى صوت: “لن نسلمكم أخانا”، وهنا تضحك الدنيا كلها، لكنها ضحكة مملوءة بالمرارة حين ندرك أن الدولة التي كانت تحرض في السابق على محاكمة صدام حسين ومجرمي حرب صرب البوسنا، تقف اليوم حاميةً لنتنياهو وكأنه ابن عمها الذي يجب حمايته من مؤامرة دولية، متناسية أن الرجل متهم باستخدام التجويع كسلاح حرب، واستهداف المدنيين عمداً، وارتكاب إبادة جماعية مروعة ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، لكن يبدو أن “الأخوة” هنا لها حسابات خاصة، وحساب الدم الفلسطيني ليس ضمنها.
إن المتعة الساخرة في هذا المشهد تكمن في ذلك التناقض الصارخ بين ما تقوله أمريكا وما تفعله، فهي تخطب في منصات الأمم المتحدة عن حقوق الإنسان، وتشجب انتهاكات القانون الدولي في كل مكان، لكنها عندما يتعلق الأمر بـ”أخونا” نتنياهو، تطوي كل الأوراق وتستدعي غرائز الجاهلية التي تضع الولاء للقبيلة فوق كل اعتبار، وتنسى أنها دولة مؤسسات وقوانين، وتتحول فجأة إلى شيخ قبيلة يحمي ابن عمه من القصاص، وكأنها لم تخض حروباً في فيتنام وأفغانستان والعراق بحجة نشر الديمقراطية، ولم تطارد مجرمي الحرب في البلقان بحجة العدالة الدولية، لم يعد الأمر متعلقاً بالقانون ولا بالعدالة ولا بالضمير، بل أصبح متعلقاً بمن هو “أخونا” ومن هو “عدونا”، ومن يستحق الحماية ومن يستحق العقاب، وهنا تبرز الفلسفة الأكثر إيلاماً في هذه المعادلة: العدالة الدولية ليست مبدأً، بل هي لعبة مصالح حيث يكون البعض فوق القانون والبعض الآخر تحت أقدامه، وأمريكا التي كانت تتباهى بأنها منارة الحرية أصبحت اليوم أكبر داعم للإفلات من العقاب، وكأنها تعلن للعالم كله: القانون الدولي ينطبق على الضعفاء وحدهم، أما الأقوياء وأصدقاؤنا فلهم قوانينهم الخاصة التي لا تكتب في أي كتاب.
وهنا نعود إلى شعار “لن نسلمكم أخانا” الذي يبدو وكأنه قد انتقل عبر الزمن من صحاري الجاهلية العربية مرورا بعبد الإله بنكيران في وقت مضى الذي قالها بالفم المليان للعدالة المغربية : “لن نسلمكم أخانا”، وكان يقصد عبد العالي حامي الدين، الرجل الذي تلطخت يديه بدماء الطالب اليساري ايت الجيد في تسعينات القرن الماضي، وصولا إلى قاعات البيت الأبيض وكابينات الطائرات الرئاسية، ذلك الشعار الذي كانت تقوله القبائل العربية قديماً لحماية مجرميها من القصاص، حيث كانت “الأخوة” القبلية تغطي على أبشع الجرائم وتجعل القاتل في منأى عن العقاب، وكأن الإنسان ليس مسؤولاً عن أفعاله طالما أنه ينتمي إلى القبيلة الصحيحة، إنها ثقافة العصبية التي كان الإسلام نفسه قد جاء لمحاربتها وإلغائها، لكنها تعود اليوم لتظهر بأبهى حلة في أكثر دولة تدعي الحداثة والتطور، وكأن الزمن قد عاد بهم إلى الوراء، إلى العصر الجاهلي حيث الدماء تُراق دون حساب، والأرواح تُزهق دون عقاب، طالما أن الجاني “أخونا” أو حليفنا، إنها كوميديا تاريخية تعيد إنتاج نفسها بأزياء عصرية، حيث يرتدي ترامب ونتنياهو عباءة الجاهلية الحديثة، ويتبادلان عبارات “نحن إخوة” و”لن نسلمكم أخانا” بينما العالم يشاهد في ذهول وإحباط، وكأن القرن الحادي والعشرين لم يأتِ إلا ليؤكد أن الإنسان لم يتطور كثيراً منذ أيام العرب قبل الإسلام، بل هو يعيد إنتاج ذات النماذج في صراعات القبيلة الدولية.
إن أكثر ما يثير السخرية في هذا السياق، هو ذلك الجدل القانوني الهزيل الذي تسوقه الإدارة الأمريكية لتبرير حمايتها لنتنياهو، فتتحدث عن “غياب الاختصاص” و”ضعف المذكرة” و”عدم تناسق الإجراءات”، وكأنها محامية فقيرة تحاول إنقاذ موكلها الذي قبض عليه متلبساً بالجريمة، إنها محاولات يائسة لتغطية العورة الأخلاقية التي انكشفت للعالم أجمع، فالكل يعلم أن مذكرة المحكمة الجنائية الدولية لم تصدر جزافاً، بل جاءت بعد تحقيقات مطولة وأدلة دامغة، لكن أمريكا التي كانت تحتفل بإعدام صدام حسين ومحاكمة ميلوسيفيتش، لا تجد اليوم حرجاً في القول بكل صراحة إن نتنياهو “لن يُعتقل بأي شكل من الأشكال”، كما غرد ترامب وكأنه يعلن حكم قبيلته لا حكم دولته، وكأنما الولايات المتحدة قد تحولت فجأة إلى محمية إسرائيلية، أو بالأحرى إلى حارس شخصي لنتنياهو، يمنحه الحرية في قتل من يشاء والإفلات من كل عقاب، وهذا هو السؤال الذي يُطرح بحدّة في هذه المهزلة الكونية: إذا كانت أمريكا تحمي مجرمي الحرب من المحكمة الجنائية الدولية، فمن سيحمي الشعوب من جرائم أمريكا وحلفائها؟ وكيف سيبقى للعدالة الدولية معنى إذا كانت أقوى دولة في العالم تعلن صراحة أنها فوق القانون؟
هنا نكتشف أن “لن نسلمكم أخانا” ليست مجرد شعار قبلي عفا عليه الزمن، بل هي أداة سياسية حديثة تستخدمها القوى الكبرى لحماية مصالحها وشركائها، متجاهلة كل المبادئ التي تدعي الإيمان بها، وكأن أمريكا اليوم أصبحت أقرب إلى زعيم قبيلة يضرب بقبضته على طاولة العدالة قائلاً: “هذا أخونا، ومن يمسه يمسني، ومن يطالب بمحاكمته يطالب بمحاكمتي أنا أيضاً”، إنها وقاحة تاريخية لا مثيل لها، لكنها ليست مفاجئة لمن يعرف أن السياسة الدولية لعبة لا أخلاق فيها، وأن القانون ليس إلا نافذة تزيينية يطل منها الأقوياء على الضعفاء، ويغلقونها عندما تهب رياح المصالح، وفي النهاية، سيسخر نتنياهو من أعلى منصة الأمم المتحدة في نيويورك، رافعاً إصبعه الوسطى متحدياً المحكمة الجنائية الدولية والعالم أجمع، بينما أطفال غزة يموتون جوعاً تحت القصف، ويبقى شعار “لن نسلمكم أخانا” يتردد في أروقة البيت الأبيض وكأنه ابتهال جاهلي يبارك كل الدماء التي تسفكها “الأخوة” السياسية التي لا تعرف الرحمة ولا القانون ولا الإنسانية.








