حين يصير الشيخ “إلَها” صغيرا والزاوية سوقا للعبودية والعلماء يتفرجون على مظاهر الشرك العظيم ولا يستنكرون؟؟

admin
2026-08-17T20:19:17+02:00
مقالات رئيس التحرير
admin17 أغسطس 2026آخر تحديث : منذ 12 ساعة
حين يصير الشيخ “إلَها” صغيرا والزاوية سوقا للعبودية والعلماء يتفرجون على مظاهر الشرك العظيم ولا يستنكرون؟؟
  • مصطفى قشنني

في البدء كانت النفس البشرية تتوق إلى اليقين، وكانت تتلمس في الظلام حبالاً تمسك بها كي لا تسقط في هوة اللا معنى، وفي خضم هذا التيه الأبدي، ظهر رجال ادعوا أنهم يمسكون بأطراف تلك الحبال، لكنهم مع الزمن حوّلوها إلى سلاسل، والسلاسل إلى أغلال، والأغلال إلى عروش يجلسون عليها كآلهة صغار لا تسقط شعرة من رؤوسهم إلا بإذنهم، ولا تتحرك شفة من أفواه المريدين إلا بعد أن يستأذنوا قبلة في نعالهم المتعفنة التي تباركها أقدامهم المقدسة. إنها ليست زوايا بالمعنى الهندسي للكلمة، فكيف تكون زوايا والدائرة كلها قد انحنت حول شيخ واحد يتوسطها كما تتوسط الشمس المجرات؟ إنها معابد صغيرة للغرور الإنساني، لكنها معابد تستعير ثياب الدين لتبرر ما لا يبرره عقل ولا منطق، وتجعل من التابوت الخشبي الذي ينقل الشيخ بين المدن تابوتاً للعهد الجديد، ومن السيارة الفارهة مركبة نورانية تهبط من علياء السماء.

والمدهش حقاً ليس في سلوك المشايخ أنفسهم، فأولئك كما نعلم بشر يعرفون كيف توظف القداسة لمصلحتهم الشخصية، ويدركون أن السوق الروحية هي أكثر الأسواق ازدهاراً  ورواجا في أوقات الفراغ الوجودي، ولكن المدهش حقاً في ذلك المخدر الجماعي الذي يتناوله المريدون طواعية، وكأنهم في نزهة روحانية على حساب عقولهم وكرامتهم، يتجرعون جرعات من التقديس الأعمى كما يتجرع مدمنو الأفيون جرعاتهم اليومية. إنهم يستيقظون كل يوم على فكرة أنهم بحاجة إلى وسيط بينهم وبين السماء، وكأن السماء قد أغلقت أبوابها ولم يعد يصلها الدعاء إلا عبر موظفين دينيين يتقاضون أجورهم على شكل تبرعات وولاء وطاعة عمياء، وكأن الله قد استقال من منصبه كإله يسمع ويجيب، وعين بدلاً عنه هؤلاء المشايخ في صفقة سرية لم يحضرها أحد.

أليس هذا هو عين الشرك الذي تتحدث عنه النصوص بكل وضوح؟ أليس هذا هو تحويل الإنسان إلى صنم يمشي على قدمين ويأكل ويشرب ويتبول ويتغوّط، ثم يطالب بكل احترام بأن يُقبل حذاؤه المتعفن أو طرف عباءته التي لا تختلف عن عباءة جاره في السوق؟ إنها لحظة من العبقرية الشيطانية حين تحول العبد إلى معبود، والمعبود إلى تاجر، والتاجر إلى إمبراطور، والإمبراطور إلى إله، والإله إلى مجرد شيخ يقود سيارة فارهة ويستقبل الضيوف في قصره المطل على البحر المتوسط، ويتناول طعامه على مائدة من ذهب بينما المريدون يتنافسون على من يلمس آثار أقدامه في التراب. إنها دائرة مغلقة من الجنون الجماعي، وكأن فيلم “السيد الخاتم” قد تحول إلى وثائقي واقعي بطلته الحقيقية ليست الخواتم السحرية، بل العمائم والنعال والعباءات التي تحولت إلى أصنام تتجول في الشوارع دون أن يصرخ أحد: هذا صنم!

لكن الظاهرة أعمق من أن تكون مجرد نوازع فردية للسلطة أو حماقات جماعية عابرة، فهي تتغذى على فجوة وجودية هائلة في المجتمعات المعاصرة، على ذلك الفراغ الروحي الذي خلفته الحداثة الزائفة التي وعدت الإنسان بالسعادة فمنحته الاكتئاب، ووعدته بالحرية فقيدته بقيود الاستهلاك، ووعدته بالعلم فأغرقه في بحر من الشكوك الوجودية. الناس اليوم يموتون جوعاً إلى المعنى، إلى ذلك الخيط الوهمي الذي يربطهم بشيء أكبر منهم، إلى الشعور بأنهم ليسوا مجرد كيانات بيولوجية عابرة في كون لا مبالٍ، وهنا يأتي دور الشيخ الماهر في استغلال هذه الفجوة، فيقدم نفسه كحل سحري، كباب يفتح على الملكوت، كمرآة يعكس فيها المريد صورته المثالية، فيراه المريد جميلاً لأنه يرى نفسه فيه، وهكذا تستمر اللعبة النفسية التي لا تنتهي، لعبة مرآة، لعبة إسقاط، لعبة استعمار للروح تحت شعار التطهير والترقي، وكأن الترقية إلى مقامات الولاية تمر عبر دهليز نعل الشيخ القذر.

ولعل أكثر ما يثير السخرية الموجعة هو ذلك الأداء المسرحي المتقن الذي يمارسه الشيخ ومريدوه معاً، وكأنهم فرقة تمثيلية تقدم عرضاً سنوياً في كرنفال ديني متجدد، الشيخ يلبس عباءته الأنسب من حيث اللون والقماش والقصّة، ويختار نبرة صوته الأكثر تأثيراً بين النبرات، ويحرك يديه بحركات مدروسة على إيقاع الأذكار، والمريدون يتنافسون على من يكون أكثر خشوعاً، ومن يقبل القدم بأكثر حرارة واندفاع، ومن يذرف الدموع في اللحظة المناسبة التي تتطلبها الحالة، وكأنهم جميعاً في بروفة عامة لفيلم لم يخرج إلى النور بعد، ولكن الفارق الأكبر أن الفيلم هنا هو حياتهم اليومية، أن التمثيل قد تحول إلى حقيقة، وأن المبالغة في التقديس هي المقياس الوحيد للولاء والانتماء، فمن لا يقبل النعل فهو خارج الحلقة المقدسة، ومن لا يبكي في الموعد المحدد فهو مريض القلب، ومن لا يتبرع بما يكفي فهو بخيل الروح، وهكذا تصبح الزاوية نظاماً مغلقاً لا يقبل الخروج منه إلا من كان مستعداً لأن يدفع ثمن الخروج أغلى من ثمن البقاء.

أما الصراعات التي نشاهدها بين حين وآخر بين أولئك الإخوة في الطريقة الواحدة، فتلك هي الكوميديا السوداء بعينها، هي المسرح العبثي الذي يقدم أروع مشاهد التراجيديا الإنسانية في حلتها الأكثر بدائية، إنهم يتناحرون على جيفة النفوذ والمال كما تتناحر الكلاب على عظمة في زقاق ضيق، وكأن الطريق إلى الله يمر بالضرورة عبر دهس منافسيك ورفسهم بالأرجل والأيدي في وضح النهار، وكأن البركة الإلهية لا تنزل إلا على من يقبض على زمام الطريقة بالقوة والمال والدسائس والصفقات الخلفية، هذه المشاهد التي نتابعها بتكاسل على شاشات هواتفنا لا تحتاج إلى تعليق إضافي، فهي تكفي وحدها لفضح كل تلك الأقنعة المقدسة التي يرفعها المشايخ، ولتظهر الحقيقة العارية كشمس الصحراء: أن هذه الزوايا هي شركات عائلية في الأساس، وأن أي ادعاء بالروحانية هو مجرد غطاء تسويقي لمنتج اسمه “الطمأنينة المعلبة” التي تباع بأغلى الأثمان في سوق النفوذ الديني، وأن الصراع ليس بين الخير والشر، بل بين وريث وآخر، بين جناح وآخر، بين حساب مصرفي وآخر، بين يخت وآخر، بين قصر وآخر، بين نفوذ في الوزارة وآخر في المستويات العليا.

والمؤسسة الدينية الرسمية؟ تلك هي الشخصية الغائبة الحاضرة في كل هذه المسرحية، التي تقف متفرجة وكأنها في صالة سينما تشاهد فيلماً غريباً، تارة تضحك، وتارة تذرف دمعة، وتارة تتظاهر بالنعاس، ولكنها في النهاية لا تتحرك، لماذا لا تتحرك؟ هل لأن هذه الزوايا تمثل جناحاً هامشياً لا يستحق الالتفات؟ هذا تبرير واهٍ يفضحه حجم الامتداد الشعبي لهذه الظواهر، فالصمت في هذه الحالة ليس صمتاً محايداً، بل هو تواطؤ خفي، بل هو شراكة في الفساد الروحي، لعل المؤسسة تخشى أن تفتح هذا الملف فتفتح به باباً لا تغلق له نهاية، لعلها تعلم أن خطوطاً كثيرة تمتد من هذه الزوايا إلى مراكز النفوذ السياسي والاقتصادي، وأن كشف حقيقتها سيهز عرشاً أو عرشين، لذلك تفضل التزام الصمت المطبق، وكأنها تقول للمشايخ: “دعوهم يفعلون ما يشاؤون فالمشهد لا يخصنا”، وكأنها تقول للمريدين: “أنتم وحدكم من تتحملون عواقب هذا التخدير الجماعي”. ولكن الصمت هنا ليس براءة، بل هو أقوى من الكلام في تأكيد هذه الممارسات وتكريسها، لأنه يمنحها شرعية ضمنية تجعلها تستفحل وتتمدد، وتتحول من طقوس عابرة إلى ظاهرة اجتماعية لا يمكن تجاهلها.

وهنا يجب أن ننحني قليلاً ” احتراما” أمام الفرعون والنمرود، ونحن نقارنهم بما يحدث اليوم، فنقول بكل موضوعية وسخرية موجعة: إن فرعون الذي ادعى الربوبية كان على الأقل صريحاً في ادعائه، فقد قال بكل وضوح ووقاحة “أنا ربكم الأعلى”، ولم يتخف وراء ثياب الزهد والتقشف، ولم يدع أنه مجرد مرشد متواضع، بل أعلنها مدوية على رؤوس الأشهاد، أما هؤلاء المشايخ المعاصرون، فيمارسون نفس النوع من الطغيان الروحي، لكنهم يتخفون وراء لغة متعالية عن الدنيا وهم فيها أشد تعلقاً من أي تاجر في البورصة، إنهم فراعنة بلحى وعمائم، فراعنة يرتدون مسوح الزهد وهم يركبون اليخوت الفاخرة، فراعنة يقولون بأفعالهم “أنا ربكم الصغير” ويدعون بأقوالهم أنهم مجرد خدام، ويتركون المريدين يتهافتون على تقبيل أرجلهم كما يتهافت العطارون على رائحة المسك، وهذا النفاق الروحي هو ما يجعلهم أكثر خطراً وأكثر إيلاماً من فرعون التاريخ، لأن فرعون كان عدواً واضحاً، أما هؤلاء فيظهرون بمظهر الأصدقاء المقربين إلى الله وأنت لا تدري أنهم يسرقون روحك ودينك وكرامتك تحت غطاء الحب الإلهي.

ولعل الممارسات التي تصل إلى حد تقبيل الأحذية العفنة أو الالتفاف حول الشيخ كما تلتفت الكواكب حول الشمس هي القمة في هذا السخف المرعب، فالنفس البشرية حين تصل إلى هذا المستوى من الاستسلام والانبطاح، تكون قد خسرت معركتها الوجودية الأهم: معركة الكرامة الإنسانية التي كرم الله بها بني آدم، فليس هناك فعل أقل إنسانية من أن تضع جبينك في التراب تحت قدم شخص مثلك تماماً، ليس لأنه نبي مرسل أو ملك مقرب أو ملاك نازل من السماء، بل لأنه ببساطة استطاع أن يبيعك وهماً بأنك بحاجة إليه لتقترب من الله، وأن باب السماء لا يفتح إلا بمفتاح نعله، احتيال روحي بكل المقاييس، احتيال يسرق من الإنسان أغلى ما يملك: وعيه وإرادته وإحساسه بأنه كائن مستقل يتحمل مسؤولية مصيره، ويحوّله إلى مجرد قطعة شطرنج يحركها الشيخ على رقعة مصالحه حسب ما يمليه عليه مزاجه أو حساباته البنكية، وهذه هي الجريمة الحقيقية التي لا تغتفر، لأنها ليست جريمة في حق المجتمع فقط، بل هي جريمة في حق الإنسان مع نفسه، في حق تلك الجوهرة التي منحها الله له حين خلقه على صورته.

ولو أننا تخيلنا، للحظة واحدة، أن أحد المريدين استيقظ صباحاً من هذا الكابوس الطويل، ونظر إلى الشيخ نظرة متجردة، وقال في قرارة نفسه: “ماذا لو كان هذا الشخص مجرد إنسان مثلي، يخطئ ويصيب، ويجوع ويعطش، ويمرض ويموت، ويتشاجر مع إخوته على المال والنفوذ كما يتشاجر سوقة الناس؟ ماذا لو كان نعله مجرد جلد ميت لا يختلف عن نعل البائع في السوق؟ هل يجوز أن أقبل حذاء إنسان مثلي؟ هل يجوز أن أبيع له حياتي ومستقبلي وقراراتي وأموالي وأولادي؟” لو حدث هذا التساؤل الشجاع لانهار النظام كله، ولهرب الشيخ إلى يخته باكياً على إمبراطوريته المنهارة، ولتفتتت الزاوية كما يتفتت سراب في الصحراء تحت شمس الظهيرة، ولكن هذا لا يحدث، لأن الخوف من المجهول أقوى من رغبة التحرر، ولأن ألفة العبودية أحياناً تكون ألذ من وطأة الحرية وما تحمله من مسؤوليات، ولأن إعلان التمرد على الشيخ يعني إعلان الحرب على كل ما تربى عليه المريد من سنوات، يعني مواجهة الفراغ الوجودي وحده دون سند، يعني أن يكتشف أن الطريق إلى الله أقصر من نعل الشيخ بكثير.

نحن هنا لا ننتقد الدين في جوهره السامي، ولا ننتقد التصوف الأصيل الذي يقوم على الزهد والورع وتزكية النفس ومحاسبة الذات، ولا ننتقد تلك التجارب الروحية النابعة من قلب صادق يبحث عن الله بتواضع وانكسار وتجرد، نحن ننتقد تحويل الدين إلى صناعة مربحة، وتحويل الشخصيات الدينية إلى آلهة بديلة، وتحويل المريدين إلى مستهلكين للمنتجات الروحية التي تباع في أسواق النفوذ الواسعة، ننتقد تلك اللحظة التي يتحول فيها الذكر إلى طقس فارغ، والعبادة إلى مسرحية متقنة، والدعاء إلى صيحات هستيرية تعلو فوق صخب الأموال التي تتدفق على خزائن الزاوية من كل صوب، ننتقد ذلك الاستلاب الجماعي الذي يجعل الإنسان يفرط في كرامته مقابل وهم القرب من الله، وكأن الله لا يرى إلا من خلال عيون الشيخ ونعاله، وهذا هو بعينه ما حاربته كل الرسالات السماوية حين جاءت لتحرر الإنسان من عبادة الإنسان وتكرس عبادة الخالق وحده، فإذا عدنا اليوم إلى عصر الجاهلية ولكن بثياب جديدة، نكون قد خسرنا كل ما ناضلت من أجله النبوة، ونكون قد أعدنا إنتاج التخلف بعناية تحت مسميات حداثية كـ”التجربة الروحية” و”الولاية” و”البركة” التي تحولت إلى سلاح لاستعباد العقول وتجفيف منابع النقد والوعي.

نعم، نحن لا نطلب من المشايخ أن يخلعوا عمائمهم أو يحرقوا عباءاتهم، فكل إنسان حر في مظهره، ولكننا نطلب منهم أن يتذكروا أنهم بشر مثلنا، وأن الكرامة ليست ملكاً لهم وحدهم، وأن المريد ليس عبداً ولا تابعاً ولا قطعة من الطين يُشكّلها الشيخ كيف يشاء، بل هو إنسان مثله له الحق في السؤال والنقد والاختيار والخطأ والتوبة من دون وسيط، ونطلب من المريدين أن يستعيدوا عقولهم من قبضة التقديس الأعمى، وأن يدركوا أن طريق الله أقصر من كل هذه المسافات، وأن القبلة الحقيقية ليست قبلة الأقدام أو الأيدي أو العباءات، بل قبلة القلب لله مباشرة، دون وسيط، ودون استعراضات مسرحية، ودون إهدار للكرامة الإنسانية في أسواق النفوذ الديني التي ما زالت مفتوحة على مصراعيها للزبائن الجدد، وإن لم يحدث هذا، فسوف نستمر في مشاهدة هذا الطوفان المقدس وهو يغمر عقول الناس، وسنستمر في الضحك باكين على إنسان عصر الذكاء الاصطناعي وهو يركع أمام حذاء متعفن يبحث فيه عن الخلاص، وكأن التاريخ يعيد نفسه بجنون، وكأن كل ما أنجزته الحضارة من تقدم لا يساوي شيئاً أمام تلك الحاجة الأبدية إلى وثن جديد كلما سقط وثن قديم.

تبا للأوثان وتبا لصناع الأوثان وتبا تبا لعبدة الأوثان..والخزي لهم وعليهم أجمعين..

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.