- حسونـي قـدور بـن مـوسـى
المحامي بهيئة وجدة
تتلخص أهداف المحكمة الدستورية الأساسية في حماية الدستور والسهر على احترامه وضمان سموه باعتباره القانون الأعلى في الدولة إضافة إلى حماية الحقوق والحريات العامة وضبط عمل السلطات العامة و التأكد من أن القوانين واللوائح الصادرة عن السلطات التشريعية والتنفيذية لا تتنافى مع نصوص ومبادئ الدستور وإلغاء ما يخالفه و التصدي لأي اعتداء أو تجاوز على الحقوق الأساسية الفردية و الجماعية المضمونة دستورياً و فض النزاعات المؤسسية وضمان الفصل والتوازن بينها و كذلك تفسير النصوص الدستورية لتوضيح المعاني الغامضة أو المبهمة في مواد الدستور لتوحيد الممارسات الديمقراطية والقانونية و البت في الانتخابات والاستفتاءات لمراقبة صحة عمليات الاستفتاء العام ونتائج انتخاب أعضاء المجالس البرلمانية …
هذا من الناحية النظرية ، اما من الناحية السياسية، فان قرارات المحكمة الدستورية في كثير من الدول مرتبطة بالتوجه السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي الذي تنهجه الدولة ، كما أن الفرق البرلمانية هي الأخرى مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالأحزاب السياسية التي تمثلها داخل البرلمان و تعمل على ترجمة توجهاتها وبرامجها السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية داخل هذه المؤسسة التشريعية حيث تعد الأداة الرئيسية لتنظيم مشاركة النواب المرتبطين حزبياً في أشغال البرلمان.
ان قرار المحكمةَ الدستورية القاضي “بتعذر البت” في قانون تنظيم مهنة المحاماة بسبب خلل شكلي أو إجرائي الذي يتمثل في عدم إرفاق طلب الإحالة بالوثائق المطلوبة حسب منطوق القرار ، لا يمكن التعليق عليه بمعزل عن البعد السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي للدولةَ، فالمحكمة الدستتورية التي تتكون من قضاة يتم اختيارهم بناءً على شروط الكفاءة العلمية والمهنية الصارمة هم أشد حرصا على تطبيق القانون، لهذا لا يمكنهم البت في مدى دستورية قانون معين دون إرفاق رسالة الإحالة بالنسخة النهائية المطابقة لأصل النص المصادق عليه نهائياً ، معتبرة أن غياب النص التشريعي الأصلي يشكل مانعاً قانونياً يحول دون ممارسة رقابتها السابقة، و السؤال المطروح هو من المسؤول عن هذا الخطأ الشكلي؟
تعتبر ظاهرة بناء دولة الحق و القانون ذات أهمية بالغة في العصر الحديث، وعلى هذا الأساس، تسعى الدول المعاصرة بمختلف اتجاهاتها السياسية إلى تحقيق هذا الهدف الذي يمكن تجسيده على ارض الواقع .ان تاسيس دولة القانون يأتي من فكرة مفادها أن تكون الدولة محكومة بنظام قانوني مؤسساتي يحدد شروط ممارسة سلطة الدولة و يعطي لعملية بناء الدولة بعدا مميزا، فدولة القانون هي الدولة المناقضة للدولة الاستبدادية التي يختلط فيها القانون بإرادة الحاكم ومشيئته دون أي قيود محددة و بهذا تكون دولة القانون في معناها العام تدل على خضوع الدولة (السلطة والشعب) لأحكام القانون وسمو مبدا سيادة وحكم القانون على الجميع دون استثناء ، و من اجل بناء دولة القانون لا بد من توافر جملة من المقومات التي يتضمنها دستورها الذي وافق عليه الشعب بطريقة ديمقراطية او تم فرضه على الشعب بالقوة او عن طريق التزوير أو التدليس ، فالعمل بمبدأ الفصل بين السلطات ومنع سوء استعمالها وتعسفها ضد المواطنين واستقلالية السلطة القضائية عن السلطات الأخرى و تفعيل دور المجتمع المدني والعمل على تحقيق استقلاليته وتبني نظام حكم ديمقراطي رشيد كل هذه الامور تقوم على أساس العقلانية و الرشادة والفعالية… كل ذلك يساهم بشكل فعلي في ارساء و بناء دولة الحق و القانون.
تختص المحكمة الدستورية في المغرب طبقاً لدستور 2011 والقانون التنظيمي المتعلق بها بمراقبة دستورية القوانين و القوانين التنظيمية والأنظمة الداخلية لمجلسي البرلمان والاتفاقيات الدولية والبت في صحة الانتخابات البرلمانية وعمليات الاستفتاء إضافة إلى النظر في الدفع بعدم الدستورية. و تعرض القوانين المراد مراقبتها على المحكمة الدستورية وجوباً مثل القوانين التنظيمية و اختيارياً مثل القوانين العادية قبل إصدار الأمر بتنفيذها من طرف الجهات المخولة قانوناً مثل رئيس الحكومة أو رؤساء المجالس البرلمانية ، فتقضي بعدم مطابقتها للدستور إذا تضمنت خرقاً لقواعده والمراقبة اللاحقة و الدفع بعدم الدستورية عندما يُثار دفع أثناء النظر في قضية أمام القضاء بأن القانون الواجب التطبيق في النزاع يمس بالحقوق والحريات المضمونة دستورياً.
ان آثار الحكم بعدم الدستورية هو الإلغاء و النسخ ، فيتم نسخ المقتضى أو النص المصرح بعدم دستوريته و لا يمكن إصداره أو تطبيقه و ذلك ابتداءً من التاريخ الذي تحدده المحكمة الدستورية في قرارها، و تتميز قرارات المحكمة الدستورية بأنها نهائية و الزامية لا تقبل أي طريق من طرق الطعن، و تلتزم بها جميع السلطات العامة والجهات الإدارية والقضائية في البلاد، و عندما تلاحظ المحكمة الدستورية وجود نقص أو خلل شكلي في الوثيقة موضوع الاحالة، كأن يكون هناك غياب التوقيع أو نقص في عدد النسخ أو وجود خطأ مادي بحت في الأسماء أو التواريخ فإنها قد تنذر الطرف المعني لتصحيح المسطرة في أجل محدد قانوناً، و ذلك تفادياً لرفض الطلب أو الحكم بعدم قبوله شكلاً، إجراءات الإنذار و التصحيح تستوجب توجيه الإنذار فتقوم كتابة الضبط أو الرئيس بإنذار صاحب الطلب لإصلاح الخلل أو الإدلاء بالوثائق الناقصة (مثل نسخ الوثيقة أو المستندات) داخل أجل محدد و يكون الجزاء عند الإهمال إذا انصرم الأجل و بقي الإنذار بدون مفعول، ترجئ المحكمة القضية أو تصدر قرارها بعدم قبول الطلب شكلاً فيما يتعلق بالأخطاء المادية إذا تعلق الأمر بخطأ مادي بحت (كتابي أو حسابي)، تقوم المحكمة بتصحيحه من تلقاء نفسها أو بناءً على طلب الأطراف دون مساس بجوهر الموضوع.
هذا من الناحية النظرية، لكن أغلب الناس ليست لهم معرفة بعلاقة الدولة و دورها في سن القوانين ، هذا الموضوع الشائك المعقد تناوتله المدارس القانونية و العديد من العلماء و الفلاسفة و رجال القانون في كتاباتهم و تحليلاتهم، و في هذا الصدد تقول المدرسة الشيوعية : “القانَون ما هو الا تعبير عن ارادة السلطة الحاكمة” بمعنى ان الدولة تصنع القانون حسب ارادتها و توجهاتها السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية ، فهي صاحبة السيادة، و السيد هو الموكول اليه صنع القانون و المحكوم التابع هو المنفذ عليه.
و يقول فقيه القانون الدستوري والعلوم السياسية الفرنسي “موريس دوفرجيه” إن كلمة «دستوري» تهدف إلى إعطاء المؤسسات السياسية شكلاً و مضموناً تآلفياً بحيث يأخذ مفهوم الحرية نصيباً وافرا، و يهتم القانون الدستوري بصفة عامة بدراسة القواعد التي تنظم السلطة وتوزعها وتحدد صلاحيات الهيئات السياسية والدستورية، و يرى موريس دوفرجيه Maurice Duverger أن القانون الدستوري هو ” قسم من القانون ينظم المؤسسات السياسية للدولة”. وهو يربط بين القانون والسلطة عبر دراسة الواقع المؤسسي والسياسي، حيث لا يفصل القواعد القانونية الدستورية عن صراع القوى و حركة الأحزاب و المجتمع داخل الدولة.
ان نظرة “موريس دوفرجيه” للقانون الدستوري والمؤسسات السياسية تتمركز حول الربط بين القانون والسياسة، و يرى أن النص الدستوري لا يمكن فهمه بمعزل عن الممارسة السياسية الفعلية في الدولة و الأحزاب و الصراعات الواقعية و يرى أن القواعد الدستورية تسعى للتوفيق بين ضرورة وجود السلطة وحماية حريات الأفراد ، يبرز في مؤلفاته مثل “المؤسسات السياسية والقانون الدستوري” كيفية توزيع السلطات بين التنفيذية والتشريعية…
و في مفهومه الأكاديمي العلمي تكمن أهمية الدستور الذي هو أسمى القوانين في البلاد في تنظيم التعايش السلمي بين السلطة و الحرية في إطار سلطة الدولة بالتوفيق بين فردية الإنسان و حاجاته للجماعة عن طريق نصوص الدستور التي تبين الحقوق و الحريات و حدود هذه الحقوق حتى لا يطغى المواطن على الدولة و حتى لا تستبد الدولة ضد المواطن اي وجود توازن بين الدولة و المواطن بين السلطة و الحرية، و هذا من اجل حماية استمرارية الدولة نفسها التي تحتضن جميع مكونات المجتمع على اختلاف اتجاهاته السياسية و الاجتماعية عن طريق فرض النظام اما سلميا او عن طريق استعمال القوة ان اقتضى الحال ( سياسة العصا و الجزرة) و لهذا فان كل دولة تصنع قوانينها بنفسها بناءً على فلسفتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية لتعكس هويتها و فرض وجودها و تلبي احتياجات مجتمعها، وتنظم علاقة الأفراد بالسلطة، و يحدد النظام السياسي (ديمقراطي، ملكي، أو جمهوري ) توزيع الصلاحيات و سن القوانين مع مراعاة حدود حرية التعبير و التنظيم السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي ، تعكس مدى التزام الدولة بحماية حقوق الإنسان ومراقبة السلطات و توجّه القوانين الاقتصادية نحو الرأسمالية (حرية السوق) أو الاشتراكية( دور الدولة الاساسي ) الملكية والمال و تنظيم قوانين الاستثمار والضرائب وحماية الملكية الفردية أو العامة ، العدالة الاجتماعية، تحدد نسب إعادة توزيع الثروة و دعم الفئات الضعيفة، تحافظ التشريعات على القيم الأخلاقية والدينية والموروث الثقافي للمجتمع و منها الأسرة والأحوال الشخصية و تنظم قوانين الزواج و الطلاق و الميراث بناءً على الأعراف أو المعتقدات والاندماج والمساواة و تعالج القوانين قضايا التمييز وحقوق الأقلّيات والمرأة والطفل الخ …
يرفض القانون بصفة عامة امتناع القاضي عن البت في الدعاوى المعروضة عليه بحجة غياب النص أو غموضه، لكنه في المقابل يقر بمفهوم ” تعذر البت” المؤقت أو الإجرائي إذا وجد مانع قانوني أو نقص شكلي جوهري يستحيل معه البحث في الموضوع كغياب الوثائق الأساسية في الإحالات الدستورية، فلا يحق للقاضي الامتناع عن الحكم أو تأجيله بلا سبب قانوني مشروع وإلا فان ذلك يعتبر إنكارا للعدالة و في حالة وجود غموض أو نقص تشريعي يلزم القاضي بالاجتهاد و إصدار الحكم مستعيناً بمبادئ القانون والعدل، و بالنسبة لللآجال المعقولة يُفرض على الهيئات القضائية الفصل في القضايا داخل أجل معقول لضمان حقوق المتقاضين و في حالة استحالة أو تعذر البت القانوني لخلل مسطري أو الإحالات الناقصة كما يقع أحياناً عندما تقضي المحاكم (مثل المحاكم الدستورية) بـ “تعذر البت” لعدم إرفاق الملف بالوثائق أو النسخ النهائية المطابقة للأصل، مما يمنعها واقعياً وقانونياً من مراقبة النص دون أن يعني ذلك فصلاً في جوهر النزاع. فمن المسؤول عن هذا النقص في الاحالة ؟
ان المواطن العادي الذي ليست له معرفة بالسياسة و القانون، يجهل أهداف تعديل قانون مهنة المحاماة في المغرب معتقدا أن المسألة هي مجرد مراجعة قانونية، لكن في الحقيقة أن الدولة الليبرالية تتبنى في برامجها العامة و مخططاتها الاقتصادية و الاجتماعية ، التوجهات التي ترتكز على حرية السوق و على الملكية الخاصة وتقليص دور الدولة، حيث يترك المجال للقطاع الخاص والمنافسة الحرة لتحديد الإنتاج والأسعار (آلية اليد الخفية)، وتهدف هذه السياسات إلى تحقيق النمو من خلال مبدأ “دعه يعمل دعه يمر”، والتركيز على التبادل الحر و المبادرة الفردية.
وعندما تسعى دولة نامية إلى توفيق قوانينها مع النظام الرأسمالي العالمي، فإنها تنخرط في عملية نيوليبرالية شاملة تهدف إلى دمج اقتصادها في السوق العالمية، حيث تتضمن هذه الإجراءات خصخصة القطاعات العامة، تحرير التجارة، تفكيك القيود التنظيمية، وحماية الملكية الفردية، ثم تعديل القوانين بما ينسجم مع النظام الليبرالي تحت مراقبة الدولة لمنع الفوضى، و من بين القوانين التي تستدعي المراجعة و التعديل قانون مهنة المحاماة الذي جاء بمقتضيات تواكب مفهوم الحكامة الجيدة أو الحوكمة الرشيدة و هي أسلوب عقلاني وسليم لإدارة الشأن العام والموارد الاقتصادية والاجتماعية، وتهدف إلى تحقيق التنمية الشاملة من خلال الالتزام بمبادئ رئيسية تشمل الشفافية، والمحاسبة، والمشاركة الفعالة، واحترام سيادة القانون و الانتقال نحو شركات مهنية، وتزايد التنافسية، والاحترافية، مما يفرض ضرورة التوفيق بين أدبيات المهنة (القضاء الواقف) ومتطلبات العرض والطلب، والتحول الرقمي، وضبط الأتعاب.. فهذه التوجهات هي التي أدخلت على قانون مهنة المحاماة الجديد ومنها على الخصوص مسألة التوكيل الالتزام بابرام عقد قانوني (وكالة) يفوض بموجبه طرف (الموكل) طرفا آخر (الوكيل) للقيام بتصرفات قانونية، إدارية، أو تجارية، باسمه ولحسابه، أو التوسع في السوق، أو تسهيل المعاملات، وتشمل عدة أنواع، كالوكالة التجارية، الوكالة العامة، أو الوكالة الخاصة لإدارة الاستثمارات.
و من أبرز مستجدات مشروع القانون الموجهة للشفافية والرقابة المالية إخضاع حسابات الودائع للمراقبة للتحقق من سلامة العمليات المالية ومحاسبة عمليات الإيداع والسحب والتحويل الخاصة بالموكلين التي اصبحت غامضة و دون مراقبة ، حظر الاقتطاع العشوائي ومنع مجالس هيئات المحامين من اقتطاع أي مبالغ من الأموال المصفاة المودعة بحسابات الودائع و الأداءات لضمان حقوق المتقاضين و إعداد حساب سنوي خاص و التزام مجلس كل هيئة بإعداد حصيلة سنوية تفصيلية لوضعية ودائع وأداءات المحامين التي تحوم حولها كثير من الشكوك و الشبهات ، كما ان قانون المهنة الجديد حدد انتخاب منصب النقيب لفترة واحدة غير قابلة للتجديد لقطع الطريق امام الانتهازيين و الطامعين في الجلوس على كراسي المسؤولية مدى الحياة و على من يملك النفوذ المالي ، هذه تعديلات عادلة و شفافة تحمي المحامي و موكله و ليس فيها اي مساس بمكتسبات بمهنة المحاماة التي وجدت اصلا من اجل الدفاع عن الحقوق و الحريات و ليس من اجل الارتزاق و الثروة.









