ضفاف المتوسط: بين صخب الجوار ورهانات المصير المشترك..

admin
2026-08-16T23:44:23+02:00
كتاب واراء
adminمنذ 3 ثوانيآخر تحديث : منذ ثانيتين
ضفاف المتوسط: بين صخب الجوار ورهانات المصير المشترك..
  • بقلم ياسين لمقدم

        تتلاطم أمواج المتوسط بين ضفتين محكوميتين بأزليّة الجوار، وحيث يتقاطع عبير البحر برياح الأطلسي، تُنسج على مدى الأيام حكاية مد وجزر مستمرة بين مدريد والرباط. فليست العلاقات بين الجارين مجرد مصالح عابرة ترسمها دفاتر الحدود، بل هي تشابك معقد من الذاكرة والتاريخ والسياسة، يتحول فيها صخب الصحافة أحياناً إلى مرآة تعكس هواجس ومخاوف متبادلة لا تلبث أن تطفو على سطح الأحداث مع كل هبة ريح سياسية، مسلطةً الضوء على تصعيد إعلامي وسياسي يتكرر ليختزل في طياته أبعاداً أعمق بكثير من مجرد عناوين عابرة.

        على حافة الأفق المشترك، وحيث تلتقي الضفاف بذاكرة التاريخ والمسافة، تقف الملفات الكبرى كنقاط احتكاك في قلب الجوار، فالقرب الجغرافي الذي يفترض أن يكون جسراً للهدوء، يرتدي في ساعات الأزمات رداء التوتر. تتباين الخطى وتتصارع الإيقاعات الاقتصادية والتنموية بين الضفتين، حيث تتدافع تدفقات الهجرة على بوابات العبور، لتشكل تفاصيلها مادة دسمة لهواجس أمنية وسياسية في مدريد تخشى أي اهتزاز حدودي. وفي المقابل، تتمسك الرباط بمقاربتها السيادية في إدارة ملفاتها الاستراتيجية، رافضة أي إملاءات، وترقب بحذر مواقف الضفة الأخرى وتناولاتها الإعلامية.

        وفي ركح المشهد السياسي الإسباني، يبرز التصعيد في محطات عديدة كأداة للتجاذب، فحين يضيق الخناق على الحكومات، أو تعجز الأحزاب عن تقديم أجوبة مقنعة لناخبيها أمام أزمات الداخل واختبارات الاستقطاب الحزبي بين يمين ويسار، تُستغل “الورقة المغربية” أحياناً لإلهاء الرأي العام. وتتلاحم هذه التجاذبات مع حقيقة إعلامية تشير إليها دراسات سبر الآراء، وهي أن أي منبر إعلامي يضربه الركود، ما إن يتطرق لاسم المغرب أو يفتعل حوله ضجة، حتى تنتعش صفحاته بإقبال هائل من القراء، مُحصِّلةً بذلك رواجاً على حساب رصانة المهنة. وتغذي هذه الديناميكية خطوطاً تحريرية تميل أحياناً إلى الإثارة وإعادة إنتاج صور نمطية تعجز عن مواكبة التحولات المستمرة في المنطقة.

        ولا تنفصل فضاءات المتوسط عن التوازنات الإقليمية، فحين يحتدم الأفق، تطل محاولات إقليمية لاستثمار الهزات عبر سياسات تنافسية وإبداء مواقف تضامنية تخدم أجندات ضيقة. ومثلما شهد التاريخ محطات مفصلية كأزمة جزيرة ليلى سنة 2002، حين برزت مواقف دبلوماسية مغايرة للإجماع الإقليمي من طرف الجزائر تجاه الجانب الإسباني، تتجدد بين الحين والآخر ذات الأنماط البراغماتية في تدبير الأزمات، في ظل سعي أطراف إقليمية لترجيح كفة معينة على حساب أخرى.

        وفي قلب المعادلة الدولية، تلقي التحالفات الكبرى بظلالها على الأجواء الثنائية؛ فالشراكات الاستراتيجية والعسكرية التي يطورها المغرب مع قوى كبرى كالولايات المتحدة وإسرائيل، وتحديثه لترسانته الدفاعية، تثير تساؤلات وهواجس في الدوائر العسكرية والسياسية الإسبانية التي تخشى تراجع وزنها الاستراتيجي التفضيلي. وتتغذى هذه المواقف أحياناً بما يروج في كواليس الإعلام عن نقاشات أو تسريبات حول سيناريوهات إعادة التموضع العسكري الأمريكي في المنطقة، بما في ذلك التكهنات المتداولة بشأن احتمال نقل القاعدة الأمريكية من إسبانيا إلى الأقاليم الجنوبية للمغرب وتحديداً الصحراء المغربية، وهو ما يرفع من منسوب القلق الإسباني حيال تراجع دورها المحوري المعتاد في المنظومة الأطلسية. ويكتنف هذا القلق هواجس أعمق تتعلق بالملفات الإقليمية العالقة، حيث تراقب عواصم المنطقة بحذر مآلات القضايا الكبرى وتداعياتها المحتملة على خرائط النفوذ والتوازن في شمال إفريقيا.

        وعلى مقربة من هذا الصخب، تقف بروكسل بمقاربة دقيقة، فالإتحاد الأوروبي يدرك أن استقرار الحدود الجنوبية لإسبانيا هو ركيزة لأمن القارة، ولطالما قدم دعماً تقنياً لضبط الإيقاع الحدودي. بيد أن المؤسسات الأوروبية تحرص على توصيف هذه الأزمات بأنها “شأن ثنائي” يُدبر عبر الحوار المباشر والالتزام بالاتفاقيات المشتركة لتنظيم التنقل والتعاون.

        في سياق متصل، يبرز نزيف الكفاءات والطاقات البشرية المتدفق نحو الخارج كتحدٍ محوري يتجاوز حدود قوارب الهجرة غير النظامية نحو سواحل إسبانيا، ليمتد عبر مسالك الهجرة النظامية نحو شتى بقاع العالم عبر عقود العمل، وزواج المصلحة، ومسارات التجمع الأسري. ويعكس هذا النزيف المتواصل واقعاً يستدعي من المغرب تسريع وتيرة الإصلاحات الهيكلية، وتعزيز ركائز العدالة الاجتماعية، وتوسيع هامش الرفاه الاقتصادي وتكافؤ الفرص. فحين تنعم الأجيال بتنمية شاملة وعيش كريم فوق أرض الوطن، تفقد رحلات الهروب والمجهول جاذبيتها، وتتحول الطاقات الحية إلى رافعة حقيقية لبناء المستقبل وتثبيت دعائم الاستقرار المستدام.

        وعلى صخرة هذه التحديات والمصائر المشتركة، تتهاوى التوترات والمناورات السياسية والإعلامية أمام حجم وشبكة الملفات الكبرى التي تربط بين البلدين، فالجاران يتقاسمان أفقاً واسعاً من الشراكات الحيوية في مجالات الأمن، والاقتصاد، والطاقة، والتنمية الاجتماعية. وتتوج هذه الروابط المتشعبة بمحطة تاريخية كبرى تلوح في الأفق وتشد انتباه العالم، تتمثل في التنظيم المشترك لفعاليات كأس العالم 2030 بمعية البرتغال. هذا الحدث الكوني الفريد يعيد رسم معالم الشراكة الميدانية بروح واعدة، ليؤكد أن مستقبل الجوار المتوسطي لا يُبنى على استهلاك الأزمات وافتعال الخلاف، بل على ركائز العمل المشترك والندّية الصادقة، ليكون مركب الجارين عنواناً للأمن والتنمية والرفاه المستدام.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.