مصطفى قشنني
قبل أيام، ومن خلال هذا العمود نفسه، تناولتُ موضوع موت السياسة وأعطاب الأحزاب السياسية في بلدي، وقلتُ إن المشكلة لم تعد في الأسماء التي تسقط هنا وهناك، بل في الآلة التي تُنتج هذه الأسماء وتُمرّرها وكأنها قدر لا مفر منه. لم أكن أظن أن الأيام ستمنحُني دليلاً جديداً بهذه السرعة القصوى، وأن ما كتبته كتشخيص سيتحول إلى مشهد حي يُبث أمامنا نهارا جهارا: وزيرة تُعيَّن بمرسوم ملكي، ويُنادى عليها لتؤدي القسم أمام أعلى سلطة في البلاد، ويُصفَّق لها وللحكومة الجديدة، وتُلتقط الصور التذكارية وتُوزع في حضرتها الورود والحلوى، ثم بعد ثمانٍ وأربعين ساعة فقط، أي بعد أن يكون الشعب قد بدأ يحفظ اسمها بالكاد، يُطلَق عليها رصاص رحمة الإعفاء من حيث لا تحتسب، فتعود إلى بيتها قبل أن تجد وقتاً لترتيب مكتبها أو شراء محفظة جلدية تليق بوزيرة منتسبة. هذا ليس سيناريو كوميديا سوداء، بل واقع موثق ببلاغ رسمي، وبتوقيع أعلى هرم في الدولة، وبإجراء دستوري سليم في شكله، لكنه في جوهره صفعة لثقة المواطن في كل شيء.
صدّقوني، المشكلة ليست في الإعفاء في حدّ ذاته، فالحق أن تُعفى وزيرة إن ثبت ما يوجب إعفاءها، والمشكلة ليست في أن تُقال وزيرة بعد يومين، فربما كانت الأيام كافية لكشف ما لا يُحمد عُقباه. المشكلة الحقيقية، بل الطامة الكبرى، هي أن نصل إلى لحظة التعيين أصلاً. أن يجلس عشرات الرجال والنساء في قاعات مكيفة، يتداولون الأسماء، ويراجعون السير الذاتية، ويجرون المشاورات، ويضعون اللوائح، ثم يرفعونها إلى أعلى سلطة، فيصادق عليها، وتُنشر في الجريدة الرسمية، وكأن شيئاً لم يكن، ثم يُكتشف بعد يومين أن في الملف ما يستوجب الإعفاء. فأي عبث هذا؟ وأي تدبير هذا؟ وأي كفاءة في انتقاء الكفاءات هذه؟
لنقارن قليلاً، لأن المقارنة هنا ليست من باب الترف البلاغي، بل هي من باب كشف الهشاشة. حارس أمن خاص في شركة صغيرة جدا – مع إحترامي لهذه الفئة التي تُعاني في صمت -، حين يُراد تشغيله، يُطلب منه ملف يتضمن كيلوغراماً من الوثائق: السيرة الذاتية، والبطاقة الوطنية، وعقد السكنى، وحسن السيرة، والبطاقة الصحية، وشهادة عدم العمل في القطاع العام، وشهادة من العدول، وشهادة من الشيخ، وشهادة من القائد، وربما شهادة من الجيران تشهد أنه لا يرفع صوت التلفاز في الليل ولا يشخر أثناء النوم… ثم يُجرى له بحث أمني دقيق، وتُستشار مصالح الدرك والمخازنية والوقاية المدنية والأجهزة السرية والعلنية… ويُسأل عنه الحي كله، ويُنتظر شهرين أو ثلاثة حتى تعود الوثائق من آخر إدارة. أما وزيرة في قطاع استراتيجي، قطاع التكوين المهني والتأهيل، وهو قطاع يُفترض أنه رافعة الاقتصاد ومصنع الأطر ومستقبل الشباب، فإن ما ينطبق عليها هو المثل الشعبي الدارج: “ادْخلْ أمبارك بَحْمارك”. لا كيلوغرام وثائق، ولا حسن سيرة قضائية، ولا بحث أمني، ولا استشارة من أحد، ولا مراجعة لأرشيف السنين. يكفي أن يكون اسمك في اللائحة، وأن يكون لك موقع في اللجنة التنفيذية، وأن يوقّع الأمين العام، فتجد نفسك بقدرة قادر وزيرا.
أقل ما يمكن قوله إن هذا عبث، وبكل مقاييس العبث. فحين يصبح تعيين وزير في حكومة دولة بحجم المغرب أسرع من تعيين حارس في مرآب، وحين يصبح التدقيق في ماضي مسؤول عام أقل صرامة من التدقيق في ماضي حارس أو عامل نظافة، فإننا لا نتحدث عن خطأ إداري عابر، بل عن خلل بنيوي في فلسفة الاختيار. إنها فلسفة “من لحمنا ودمنا”، فلسفة المحاصصة والولاء التنظيمي والترضيات الداخلية، حيث تُوزَّع الحقائب كما تُوزَّع أكياس السكر في الحملات الانتخابية، وحيث يُفترض أن تنتمي إلى الحزب قبل أن تنتمي إلى الكفاءة، وحيث يُقدَّم الملف السياسي على الملف المهني، وحيث يُكافأ المناضل القديم بحقيبة وزارية لا لأنه الأصلح، بل لأنه “مناضل قديم” “جا وقْتو”، وكأن الوزارة جمعية خيرية تُمنح لعضو مؤسّس.
والطامة الطامة الكبرى، أن هذا لا يحدث في زاوية معزولة من العالم، بل في دولة تُصرّ على أنها تريد أن تكون في مصاف الدول الصاعدة، وتستضيف كأس العالم، وتوقّع اتفاقيات استثمارية بمليارات الدولارات، وتتحدث عن نموذج تنموي جديد، وعن مغرب السرعة الواحدة، وتُرسل وزراءها إلى المنتديات الدولية ليتحدثوا عن الحكامة والشفافية والكفاءة. فكيف يبدو المشهد في الخارج؟ كيف يبدو حين يقرأ دبلوماسي أجنبي في وكالة أنباء أن وزيرة مغربية عُيّنت وأُعفيت في يومين؟ وكيف يبدو حين يقرأ مستثمر أن قطاعاً استراتيجياً ظل بلا وزير مستقر، وأن من عُيّن عليه لم يصمد 48 ساعة؟ إننا لا نسخر من أنفسنا فقط، بل أصبحنا محل سخرية وتهكم عبر العالم، وأصبحت قصتنا مادة دسمة لصحف تبحث عن طرائف الحكامة في دول الجنوب. وهذا ليس تشاؤماً، بل هو عين الحقيقة التي يجب أن تُقال بالفم المَليان.
ثم من يتحمل المسؤولية؟ هنا يبدأ التهرب الكبير. الوزيرة السابقة تقول إنها لم تطلب المنصب، والحزب يقول إنها كانت في اللجنة التنفيذية وبرلمانية سابقة، والأمين العام يقول إن المجلس الوطني فوّضه، والمجلس الوطني يقول إنه فوّض الأمين العام، ولجنة الأخلاقيات تقول إن ملفها لم يُعرض عليها، وإن عرضه لم يكن مفروضاً بالنظر إلى موقعها التنظيمي. وهكذا تدور الكرة بين الجميع، ولا أحد يتحمل المسؤولية، وكأن الوزيرة نزلت من السماء بمظلة، وكأن اسمها كُتب في اللائحة بقلم سحري، وكأن أحداً لم يقرأ ملفها، وكأن أحداً لم يسأل، وكأن أحداً لم يعرف. والحقيقة أن المسؤولية جماعية، لكنها تبدأ من رأس الهرم: الأمين العام الذي طلب ثلاثين سيرة ذاتية، وأبقى اللائحة سرية عن اللجنة التنفيذية، واحتكر المشاورات، وتجاهل توصيات الهيئات، ثم رمى بالكرة في ملعب لجنة الأخلاقيات التي لا تملك صلاحية محاسبة القيادات. إنها هندسة المسؤولية المفرغة، حيث يتحمل الجميع المسؤولية لكي لا يتحملها أحد.
والأدهى أن الحزب الذي يتحدث عن الأخلاقيات والتأهيل والتكوين، هو نفسه الذي أنتج هذه الفضيحة. حزب عريق، حزب علال الفاسي، حزب له تاريخ، وله رموز، وله مناضلون قدموا التضحيات الجسام من أجل هذا الوطن، يجد نفسه اليوم في حيْص بيْص من أمره، لا بسبب خصومه، بل بسبب طريقته في تدبير ملف الاستوزار. وحين تُعفى وزيرة بعد يومين، فإن السؤال ليس فقط عن ماضيها، بل عن آليات التحقق التي سبقت تعيينها، وعن معايير الانتقاء، وعن مدى إشراك المؤسسات الحزبية، وعن حدود صلاحيات الأمين العام، وعن التوازن الجغرافي، وعن تمثيلية الجهات، وعن الكفاءات التي قُدّمت والتي لم تُقدَّم، وعن الخلافات الداخلية التي لم تعد سراً. إنها قضية تتجاوز شخص الوزيرة إلى النظام السياسي كله، وإلى الأحزاب التي تقدم أسماءها للحكومة، وإلى الثقة التي يمنحها المواطن لهذه الأحزاب وهذا مربط الفرس في الأول والأخير والسلام.. .








