- عبد اللطيف مجدوب
مغاربة العالم: نجومٌ خارج الحدود.. أرقامٌ منسية في الداخل!
تطرح هذه المفارقة تساؤلاً جوهرياً ومؤلماً: لماذا يسطع نجم الكفاءات المغربية بمجرد تجاوزها الحدود، بينما تظل في الداخل حبيسة التهميش؟ إنها قصة طاقات معطلة تجد في الاغتراب فضاءً للتحليق، وفي الوطن جدرانًا من البيروقراطية والإحباط.
أولاً: الخارج.. أرض الاحتضان والصقل
عندما تغادر الكفاءة المغربية أرض الوطن، فإنها لا تحمل مجرد “حقيبة”، بل مشروعاً ينتظر بيئة خصبة. في الخارج يُتعامل مع المؤهلات كأصول استثمارية:
التكنولوجيا والبحث: يساهم المغرب بنحو 8000 مهندس يغادرون سنوياً نحو أوروبا وأمريكا، حيث تحتضنهم شركات “وادي السيليكون” ومراكز بحث مرموقة.
الرياضة: مراكز التكوين العالمية (كالأكاديميات الأوروبية) هي التي صقلت مواهب كروية أبهرت العالم، ووفرت لها التأطير الذي يفتقده اللاعب محلياً.
ثانياً: الداخل.. صدمة الواقع وقوى الكبح
في المقابل، يواجه المبتكر داخل المغرب حواجز تطفئ جذوة إبداعه:
تبخيس الكفاءات: تصطدم الطموحات بعقلية “الزبونية” وتفضيل الولاء على الكفاءة، مما يحطم آمال أصحابها في الاستمرارية.
هجرة الأدمغة: قلة الحاضنات أنتجت “هجرة للأدمغة”، وهي سوسيولوجياً “هجرة كرامة”. فالهجرة السرية (قوارب الموت) والهجرة الشرعية (قوارب العلم) تشتركان في دلالة واحدة: الهروب من بيئة تقتل روح الابتكار.
الصحافة الدولية تدخل على الخط
لإتمام المشهد، سنستعرض مقتطفات مستوحاة من تقارير إعلامية دولية حديثة (2024-2025) تسلط الضوء على هذا “الوهج” المغربي عندما يجد التربة الصالحة:
أصداء عالمية: ماذا يقولون عن “الأدمغة المهاجرة”؟
الصحافة الفرنسية: “المغاربة.. العمود الفقري للمستشفيات”
أوردت صحيفة “لوموند” (Le Monde) في أحد تقاريرها حول النظام الصحي: “لا يمكن تخيل استمرارية العمل في العديد من الأقسام الحيوية بالمستشفيات الفرنسية دون الأطباء المغاربة. إنهم يتميزون بالمهارة التقنية العالية وقدرة استثنائية على الاندماج والعمل تحت الضغط.”
حقيقة إحصائية: يمثل المغاربة الحصة الأكبر من الأطباء الأجانب في فرنسا (خريجي كليات الطب المغربية)، حيث تجاوز عددهم 14,000 طبيب.
الصحافة الألمانية: “المهندس المغربي.. وقود الثورة الرقمية”
في مقال لموقع “دويتشه فيله” (DW) حول نقص الكفاءات في ألمانيا (2024): “تتسابق الشركات الألمانية العملاقة لاستقطاب المهندسين المغاربة. ألمانيا ترى في الخريج المغربي نموذجاً للموظف المتعدد اللغات والمتمكن تقنياً.”
التقارير الدولية حول الرياضة: “معجزة مغربية بلمسة عالمية”
علقت صحيفة “ماركا” (MARCA) الإسبانية على تألق الأطر واللاعبين المغاربة: “المغرب لا يُنتج لاعبين فقط، بل يُصدّر ثقافة كروية مبنية على المثابرة. السر يكمن في أن الموهبة المغربية حين تُصقل في بيئات احترافية، تتحول إلى طاقة غير قابلة للإيقاف.”
هذه المقتطفات ليست مجرد “مديح”، بل هي إدانة ضمنية لواقعنا الداخلي:
الاعتراف بالكفاءة: الخارج يعترف بأن “التكوين المغربي” ينتج خامات ممتازة.
توفير “البيئة” لا “المادة” فقط: الأطر لا ترحل من أجل المال فقط، بل من أجل “فضاء للفاعلية”؛ أي البحث عن نظام يحترم الجدارة بعيداً عن المحسوبية.
قتل روح الابتكار: عندما يرى الشاب أن “النجاح” مرتبط بـ “الرحيل”، فإننا نقتل بداخله الرغبة في إصلاح الداخل.
ثالثاً: ملحمة “الرديف” والأطر التقنية (دروس مستفادة)
أثبت الواقع القريب (كما في المحافل الرياضية الدولية) أن “المعدن” المغربي نفيس:
تألق الرديف: نجاح المنتخب الرديف والأطر التقنية المغربية في بيئات احترافية يؤكد أن الخلل ليس في الذات المغربية، بل في غياب آليات التقدير والتحفيز في الداخل.
شهادات دولية: تصف الصحف العالمية الكفاءات المغربية بأنها “العمود الفقري” لمؤسسات كبرى، معترفة بأنها “ماركة عالمية” تُفرط فيها تربتها الأم.
رابعاً: سؤال المصير.. هل كنا لنلمع؟
يبقى السؤال المؤرق: هل كان لهذه الأطر الناشطة في مجالات حيوية (كالذكاء الاصطناعي والجراحة الدقيقة) أن تحظى بهذا التقدير لو بقيت داخل الحدود؟ الواقع يشير إلى أنهم كانوا سيغرقون في دوامة “الرتابة الإدارية” أو صراعات التهميش.
خاتمة:
إن العالم يصفق لـ “المغربي المهاجر” لأنه يرى ثمار عطائه، بينما يظل “المغربي الصامد” في الداخل يصارع ليحافظ على وهجه من الانطفاء. إن الوطن الذي يصدّر “عقوله” يستورد “التخلف” بالضرورة. والتحدي اليوم هو تحويل المغرب من “محطة انطلاق” إلى “ميناء استقرار” يحتفي بمبدعيه وهم بين أحضانه، لا وهم خلف البحار.








