ما بعد الحرب ما قبل السلام..

admin
2026-03-24T23:40:03+01:00
مقالات رئيس التحرير
admin24 مارس 2026آخر تحديث : منذ 3 أشهر
ما بعد الحرب ما قبل السلام..
  • مصطفى قشنني

الحرب لا تنتهي عندما يخرس دوي المدفع. لا تنتهي حين يُرفع علم أبيض فوق آخر حطام، ولا حين يوقع جنرالات متعبون على وثيقة تخون، بتوقيعاتهم الباردة، كل تلك الجثث التي لم تعد قادرة على التوقيع. الحرب الحقيقية، الجرثومة التي لا تموت، تنتقل من مرحلة اللهب إلى مرحلة الصدى. إنها تتحول من حدث عنيف مكثف، إلى حالة مزمنة تقيم في العظام، في الذاكرة، في طريقة النظر إلى السماء. نحن نعيش في تلك الفجوة الرديئة بين الاثنين: ما بعد الحرب وما قبل السلام. فضاء رمادي لا ينتمي إلى الحياة التي كنا نعرفها، ولا إلى السلام الذي نتمناه. إنه رحم معتم، نخرج منه مشوهين، نحمل ما تبقى من ضلوعنا في أكياس بلاستيكية، ونبحث عن لغة جديدة لنعبر بها عن أننا لم نعد كما كنا.

هنا، في هذه المنطقة الحدودية بين الدمار والبناء، نجد أنفسنا أمام أسئلة شغلت أعظم العقول البشرية. فالفيلسوف الألماني تيودور أدورنو، الذي كتب من رحم المنفى بعد أن رأى حضارة أوروبا تتحول إلى رماد، أعلن مقولته الصادمة: “لا شعر بعد أوشفيتس”. لم يكن يقصد استحالة الكتابة، بل استحالة العودة إلى البراءة السابقة. إنها الفجوة ذاتها التي نتحدث عنها. فالحرب لا تنتهي بانتهائها، بل تترك جرحاً ابستمولوجياً في اللغة نفسها. كيف نكتب السلام بلغة لا تزال تحمل رائحة البارود؟ كيف ننطق كلمة “غد” وقد علّمنا القصف أن الغد ليس مضموناً لأحد؟ أدورنو، إلى جانب هوركهايمر، رأى أن التنوير الذي وعد بتحرير الإنسان انقلب إلى أداة للسيطرة، وأن العقل الذي صنع أوشفيتس هو نفسه العقل الذي سيصنع السلام المزيف. إنه تحذير من أن السلام الذي لا يعيد النظر في بنية العقل نفسه سيكون مجرد هدنة مؤقتة.

وهذا يقودنا إلى ميشيل فوكو، ذلك المفكر الذي علمنا أن السلطة لا تموت عندما تسقط الحكومات، بل إنها تتلبّس الأجساد، تصبح جزءاً من حمضنا النووي. الحرب التي ينتهي بها المطاف في القاعات الرسمية، وفق فوكو، تبدأ حياة جديدة كسلطة دقيقة منتشرة في المؤسسات، في الطب، في التربية، في طريقة تنظيم المدن. السلام الذي يعلنه السياسيون ليس سوى استمرار الحرب بوسائل أخرى، لكن هذه المرة لا تقتل الجيوش الأجساد، بل تقتل السلطة الإمكانات. إنها تجعلنا نحلم أحلاماً صغيرة، ونرضى بحياة هامشية، وننسى أننا كنا قبل الحرب نعرف كيف نحلم بشكل مختلف. ما بين ما بعد الحرب وما قبل السلام، نحن تحت رحمة سلطة هادئة تعيد تشكيل رغباتنا، تجعلنا نعتقد أن العودة إلى الروتين اليومي هي نهاية المطاف، متناسية أن الروتين نفسه كان أحد أسباب الانفجار الأول.

أما حنة آرندت، تلك المرأة التي نظرت في عين الشر الأوروبي بعيني فيلسوفة يهودية هاربة من النازية، فقد منحتنا مفهوماً حاسماً: “تفاهة الشر”. لقد رأت أن أعظم الجرائم لا يرتكبها وحوش، بل أناس عاديون يتوقفون عن التفكير، يطيعون الأوامر، يوزعون التذاكر إلى المحرقة بنفس الروتين الذي يوزعون فيه تذاكر القطار. هذا التحليل يلقي بظله الثقيل على لحظة ما بعد الحرب. فالسلام الحقيقي لا يتحقق فقط بإيقاف إطلاق النار، بل باستعادة قدرة الفرد على التفكير النقدي، على رفض الانصياع، على أن يقول “لا” في وجه السلطة التي تطلب منه أن ينسى، أن يتجاوز، أن “يمضي قدماً” كما لو لم يحدث شيء. آرندت تذكرنا أن شر ما بعد الحرب هو شر النسيان المنظّم، شر التبرير الذاتي الذي يجعل الجلادين يعيشون بجانب الضحايا وكأن شيئاً لم يكن، شر اللغة البروتوكولية التي تحول الفظائع إلى أرقام وإحصائيات.

وعلى الجانب الآخر من الأطلسي، كان ويليام جيمس، الفيلسوف وعالم النفس البراغماتي ، يبحث في “المعادل الأخلاقي للحرب”. كان جيمس، الذي عاش في أمريكا ما بعد الحرب الأهلية، يبحث عن بديل للطاقة التي تطلقها الحرب، عن تلك القوة الغريزية التي تجعل الإنسان يضحى بحياته من أجل شيء أكبر. الحرب، حسب جيمس، تمنح الإنسان معنى، تضعه في سياق يتجاوز فرديته المحدودة. لهذا، فإن السلام الذي لا يقدم بديلاً عن هذه الطاقة سيكون فارغاً، هشاً، عرضة للانهيار عند أول اختبار. إنه نقد عميق لنظريات السلام الساذجة التي تعتقد أن الإنسان كائن عقلاني بارد يختار السلام بمجرد أن تتبين له مصلحته. جيمس يدعونا إلى بناء “ما يعادل أخلاقي للحرب”: مؤسسات مدنية تطلب من الإنسان نفس مستوى التضحية والالتزام، نفس الشعور بالانتماء إلى مشروع جماعي يتجاوز ذاته. ما بين ما بعد الحرب وما قبل السلام، نحن بحاجة إلى إعادة اختراع البطولة: ألا تكون البطولة في قتل العدو، بل في بناء جسر، في تعليم طفل، في زرع شجرة في أرض كانت ملغومة.

لكن ربما يكون الفيلسوف الأكثر قسوة في مواجهتنا مع أنفسنا هو جان بول سارتر، ذلك الذي قال إن “الإنسان محكوم عليه أن يكون حراً”. سارتر، الذي عاش الاحتلال النازي لفرنسا والمقاومة، يضعنا أمام حقيقة لا تطاق: لا يمكننا إلقاء اللوم على الحرب وحدها. الحرب كشفت عنا، لكنها لم تخلقنا. كل واحد منا، في لحظة الاختبار، اختار. اختار أن يقاتل أو يختبئ، أن يخون أو يصمد، أن يغض الطرف أو يشهد. وما بعد الحرب ليس براءة، بل هو امتداد لتلك الخيارات. سارتر يحررنا من عذرية أن نكون ضحايا فقط، ويحملنا مسؤولية ما بعد الحرب بنفس القسوة التي حملنا بها مسؤولية ما قبلها. السلام، من هذا المنظور، ليس استراحة من المسؤولية، بل هو ذروتها. إنه اللحظة التي لا نستطيع فيها أن نقول “الظروف أوصلتنا إلى هنا”، بل يجب أن نقول “نحن اخترنا أن نكون هنا، ونحن الآن نختار أن نكون غير ذلك”.

إن بناء السلام الحقيقي يتطلب جرأة أكبر من جرأة الحرب. الحرب كانت جنوناً منظماً، أما السلام فهو فوضى الخلق. يتطلب منا أن ننسى دون أن نخون الذاكرة، أن نسامح دون أن نهين حق الضحية، أن نتعايش دون أن نتنكر لدمائنا. إنه يتطلب اختراعاً جديداً للغة: لغة لا تقول “انتصرنا” أو “انتصروا”، بل تقول “عانينا جميعاً”. لغة تحول الخسارة من ميدان تنافس على البكاء إلى أرضية مشتركة للانطلاق. قبل السلام، يجب أن نعترف أن الحرب لم تكن خطأ الآخر وحده، بل كانت أيضاً فشلنا نحن في أن نكون أكثر إنسانية من اللحظة التي عشناها. إنها لحظة صعبة من التواضع القاسي، أن تعترف أنك كنت، تحت وطأة الخوف، قادراً على أن تكون وحشياً، وأنك الآن تختار، بوعي مرهق، أن تكون إنساناً من جديد.

السلام الحقيقي ليس وثيقة، إنه تمرين يومي. إنه فعل مقاومة ضد الانزلاق الطبيعي للروح نحو الانتقام، ضد ميل الذاكرة إلى التصلب في موقع الجرح. إنه فعل مستمر من نزع فتيل القنابل المزروعة في أعماقنا، تلك التي صممتها الحرب وأخفتها تحت طبقات من الصمت والعادة. لا يحدث السلام دفعة واحدة، بل يحدث في تفاصيل صغيرة: في قدرة شخصين من خصمين على مشاركة رغيف خبز تحت سقف واحد، في قدرة طفل على أن يحلم بمهنة بدلاً من أن يحلم بالهروب، في قدرة حارس على خفض سلاحه ليس لأنه خائف، بل لأنه قرر أن يثق.

ما بعد الحرب وما قبل السلام هو هوّة، لكنه أيضاً رحم ممكن. هو المكان الذي تُصنع فيه الأسئلة الحقيقية: كيف نعيش مع ما فعلناه وما فُعل بنا؟ كيف نبني غداً ونحن لا نزال نعاني من أمس؟ كيف نجعل من الألم الذي فرقنا جسراً يعيدنا إلى بعضنا؟ الفلاسفة الذين استدعيناهم هنا لا يقدمون لنا إجابات جاهزة، بل يقدمون لنا أدوات لنصنع إجاباتنا الخاصة. أدورنو يحذرنا من العودة إلى نفس العقل الذي أنتج الكارثة. فوكو ينبهنا إلى أن السلطة تتخفى في أكثر الأشياء حميمية. آرندت تذكرنا أن الشر يبدأ حين نتوقف عن التفكير. جيمس يدعونا إلى إيجاد بدائل أخلاقية لطاقة الحرب. سارتر يضعنا أمام مسؤوليتنا التي لا نهرب منها.

لا إجابة سهلة. لكن ربما يكون السلام، في جوهره، ليس حالة نصل إليها، بل هو طريق دائم، أشبه بزراعة غابة بعد حريق: لن نعيش نحن لنرى ظلها، لكننا نزرعها لأولئك الذين سيأتون بعد أن ننسى نحن طعم الرماد. في هذه المرحلة الانتقالية، نحن لسنا بين أمرين؛ نحن في أعمق نقطة من الصيرورة. نحن نصنع من هشاشتنا قوة، ومن جراحنا وعياً، ومن رغبتنا في النسيان إصراراً على ذكرى مختلفة. السلام الذي نبحث عنه ليس نهاية التاريخ، بل هو بدايته الحقيقية. بداية حيث نكتب نحن، لأول مرة، سرداً لا تمليه ضرورات المعركة، بل حكمة الجراح. فهل نملك الشجاعة لنعترف أن المعركة الحقيقية لم تكن في ساحة الحرب، بل هي هنا، في هذه اللحظة الصامتة، حيث نقرر ما إذا كنا سنبقى أسرى الماضي أو سنصبح آباءً لمستقبل لم يُخلق بعد؟

وكل مستقبل وأنتم….

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.