حياة جبروني
تثير متابعة الصحفي الدكتور مصطفى قشنني قضائيا وتعرضه لاستنطاق شاق وطويل وما لحقه من ضغط نفسي ومهني، استمر لأكثر من 7 ساعات، بسبب مقالين مهنيين، يدخلان في إطار النقد الموضوعي والبناء لحقيقة الوضع الأمني بالمدينة والجهة، بعد سيل من الشكايات، تستنكر استفحال مظاهر الفوضى المرتبطة بالدراجات النارية والسياقة الاستعراضية الجنونية وما ينجم عنها من اعتداءات يومية، حوادث سير خطيرة ونشل وسرقة وخطف الحقائب والهواتف. في المقابل قلة أوشح الحملات والدوريات الأمنية، عدة تساؤلات حقوقية وقانونية كبرى، حول مدى حرية الصحافة وتطبيق القانون، ومدى جذوى قانون الصحافة والنشر، في ظل هيمنة القانون الجنائي على حساب المدونة الخاصة والمنظمة لمهنة الصحافة والنشر، بعد مخاض طويل يا حسرتاه، حيث مرت عبر محطات تشريعية وتطورات هامة لضمان حرية الإعلام الذي على ما يبدو شكلا فقط، لكن جوهرا يلاحَظ استمرار الغموض حول الحدود الفاصلة بين النشروالجرائم الجنائية وتراجع مؤشرات حرية الصحافة وحرية الرأي والتعبير بحسب التقارير الدولية الصادرة في هذا الصدد .
مخطئ، من يعتقد أن حرية الرأي والتعبير والنقاشات الواسعة الحقيقية، كانت فيما مضى مُعَلّبة ومُجّردة من الجرأة والمتابعة الحقيقية أو مشروطة تحت رحمة السلطة وخطوطها الحمراء. أبدا والدليل أن وزير الداخلية السيد ادريس البصري رحمه الله، الذي كان على رأس الداخلية والإعلام، لم يُسجَّل عليه أنه لاحق أو تابع صحافية أو صحافيا ملتزما بقضايا المجتمع، رغم كل التضييقات والملاحقات وقسوة تلك الحقبة البصْرية الحساسة سياسيا وأمنيا، إلا أنها كانت مصفاة دقيقة للإعلام، لا يمر منها إلا أصحاب الكفاءة العالية، والأقلام النخبوية، تولد من رحم قانوني ومعرفي خالص. معظمهم مفكرون، أدباء ومثقفون، يمتلكون أفكارا واضحة ومشاريع تغييرية تساهم في بناء الإنسان وتجديد فكره ووعيه.
فنوافذ التعبير قد تضيق أحيانا، لكن الكتابة الحرة كانت تجد دائماً طريقها وصياغتها التي تخلدها وتضمن لها الاعتبار والاستمرارية. بل أكثر من ذلك، تفتح الباب أمام نقاشات عقلانية وموضوعية مؤطرة بالقانون مع مختلف السلط والمؤسسات التي كانت تقدر حرية الرأي وتتعامل مع المادة الإعلامية انذاك كمرآة تعكس الواقع وكأداة للإصلاح وليس كعدو.
أما الآن ورغم توسيع هوامش التعبير المتاحة والانفتاح الرقمي والتنوع القانوني والمؤسساتي الضامن الوحيد لصحافة مستقلة وقوية، إلا أن هذه الأخيرة تعرف انحدارا حادا وتراجعا غير مسبوق وانكماشا في رقعة الحرية المتاحة لها. والفرق بين عصر النُخبة وعصر التُّخمة، أن فترة صحافة النُخبة، كانت تمتلك إرادة حقيقية في التغيير والدفاع عن حقوق ومكتسبات المواطن الذي من أجله وأجل كرامته خُلقت صاحبة الجلالة وترعرعت في بيئة ملتزمة بمواثيق الشرف، ساهمت في بناء الوعي وصنع القرار وتشكيل الرأي العام. لذلك كما يُقال بالعامية “وتاها تاج السلطة الرابعة”
أما عصر الصحافة التُخمة، فصدقوني أني كلما حاولت تناول هذا الموضوع أُصاب بغثيان ودوخة وثقل الرأس لثقل هشاشة الوضع المقرف والمقزز الذي يعيشه الإعلام بالجهة.
فماعدا بعض الأقلام القليلة جدا المحترمة والمحترفة، معظمهم أشباه صحافيين، حتى وإن توفر بعضهم على البطاقة، فإنهم لا يتوفرون على الكفاءة المهنية والأخلاقية.
وهنا مربط الفرس، فحديثي عن ضعف الأداء الإعلامي وسخافته وخروجه عن شرفه ونزاهته بالجهة، ليس للثرثرة أو الإثارة، ولكنه جرّد الصحافة من مهمتها وهيبتها ومواقفها ودورها التنويري والتوعوي البارز. فتحول دور الصحفي من كاشف للحقيقة إلى أداة توجيه، ومن مُتابِع إلى تابع.
نحن هنا لا نرمي الاتهامات جزافا، ولا نتحامل على أحد، بل ننقل بصوت مرتفع ما يتدفق علينا من متصحفين دخلاء على المهنة. جلهم لا يتقنون بل يجهلون أبجدية الصحافة ” ويجهل فوق جهلهم الجاهلون. والأكثر إرباكاً، أنه في الوقت الذي كانت تُرفع الأقلام للتحقيقات والتحريات والمتابعات الجادة، نجد في المقابل كرنفالات الصحافة الصفراء ترفع الدفوف والبنادر، وفي كل جلسات ولقاءات تبدأ تعداد المحاسن والمناقب. وهي تغفل تفاصيل الأحداث والوقائع، لأنها ببساطة تعيش في جلباب مستعار يفتقر للكفاءة المهنية وتعوضها بالنفاق والمداهنة لحاجة في نفسها.
وفي هذا المقام يحضرني موقف في بداية مشواري المهني كسكرتيرة التحرير، مع أحد رجال الأمن (عميد شرطة سابق)، كان معروفا باسهاماته وكتاباته المتنوعة في جريدة “الحياة المغربية“. هذا الأخير وهو يتصفح جريدة الحياة، احتجَ على جملة فطنة ويقظة رجال الأمن في صفحة قضايا. حيث قام رجال الأمن انذاك بكمين محكم أوقع مجموعة من المشتبه بهم. الرجل أرغى وأزبد وكأن كلمة فطنة أو يقظة سُبّة تُنقص من قيمة عملهم. وقال لي حينها: “أي مسؤول كيفما كانت طبيعة موقعه ومسؤوليته لا يُمدح على أداء عمل يتقاضى عليه واجبا شهريا”. “المسؤول لا يُمدح بل يُنتقد عند التقصير”. هذه العبارات كانت أول درس صحفي أستوعبه من رجل أمن وليس من صحفي، من مؤسسة أمنية وليست مؤسسة اعلامية، من زمن الوعي والاصلاح والالمام بكل القضايا والمهن والمؤسسات وضوابطها المهنية والقانونية والأخلاقية.
الحقيقة أن الصحافة الحرة والنقد البناء الموضوعي، مرآة حقيقية لأي مسؤول يريد الإصلاح وتفادي الأخطاء. إلا أنه مع كل أسف أصبح كل صحفي موضوعي حيادي يقوم بعمله وما يمليه عليه ضميره المهني، محط شكايات ومتابعات قضائية… كما حدث للكاتب الصحفي الدكتور مصطفى قشنني مدير موقع “رسبريس” ، الذي تم جرّه للقضاء بسبب نشره لمقالين تناولا قضايا أمنية تهم الرأي العام المحلي ولهما ما يدعمانهما من عشرات الحجح والوثائق والمستندات. ولا يحملان أي مساس بأي شخص أو هيئة كيفما كانت. كذلك الكاتب استخدم بعض الفنون البلاغية لإيصال الأفكار وتوضيحها، على اعتبار أن هذه الأدوات اللغوية جزء أصيل من لغة الصحافة، وهي محمية بموجب حرية الرأي والتعبير، مادامت لا تحمل أي سب أو قذف أوتشهير أو تجاوز للقانون والمساس بحقوق الآخرين وكرامتهم، التي قد تضع الكاتب تحت طائلة المساءلة القانونية، إذا تجاوز النقد الموضوعي إلى التجريح.
وأي تداخل للأدوات الأدبية مع النصوص القانونية الجزائية يُعد تهديدا مباشرا لحرية التعبير والصحافة. وإذا ما تمّ تكييف هذه الأساليب البلاغية جنائيا، فإن المحاكمة ستُبنى فقط على التأويلات والنوايا، المخلة لمبدأ اليقين.
فصاحب المقالين المشتكى به، ليس صحفي منتحلا ولا مسترزقا أو من أصحاب “السترات الفوسفورية”… وإنما موسوعة قانونية لا يمكنه السقوط في المحظورات المهنية والقانونية. كذلك موسوعة فكرية وأدبية، نالت الكثير من الجوائز وحظيت باحترام جميع المسؤولين على اختلاف مواقع مسؤولياتهم. لأن المفكر والشاعر والأديب، يبقى لسان حال وطنه وسفيرها. ويحضرني في هذا المقام قصة واقعية للفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر عندما كان يدعم الثورة الطلابية لسنة 1968، حيث تم اعتقاله، لكن الرئيسالفرنسي “شارل ديغول” رفض ذلك قائلاً جملته الشهيرة: “لا يمكننا سجن فولتير“، في إشارة إلى مكانة المثقف التي لا تُمس أو تُحاصر. فكيف لمثقف في عصر الحريات والاستقلالية والعدل والحقوق، يُستنطق لأكثر من 7 ساعات ويُتابع قضائيا من أجل مقالين ينبه فيهما إلى ما آلت إليه المدينة من فوضى في واضحة النهار، بشهادة الصغار قبل الكبار. معتمدين في محاكمتهم على أضعف حلقة قانونية (الأساليب البيانية والبلاغية) التي تفتقر للحجة القاطعة والقوة القانونية.
رسبريس: الرأي الحر القلم الرصين والدقيق والشريف، الذي يدافع عن المدينة والجهة، في زمن النخاسة والمصالح. منبر يتمتع بصلابة شديدة، وعزة نفس، وحزم لا يلين ، وغير قابل لا للرضوخ ولا للمساومة. عاهد على الالتزام بقضايا المواطن والدفاع عن حقوقه ومكتسباته حتى آخر نفس..
هل هذا ما جاد به قانون حرية الرأي والتعبير؟ الاجهاز على الصحافة الجادة وتهريب الشكاية الخاصة بالنشر من المباشرة إلى الجنائية واعتماد أساليب بلاغية دليلا قاطعا للإدانة؟
إذا كانت الفنون البلاغية تندرج ضمن العقوبات القانونية فباي باي حرية الصحافة ومرحبا ببناديرها









