عُقدة الشرعية وأزمة المشهد: المغرب على عتبة ائتلاف اضطراري

admin
2026-09-26T00:44:54+02:00
كتاب واراء
admin26 سبتمبر 2026آخر تحديث : منذ يومين
عُقدة الشرعية وأزمة المشهد: المغرب على عتبة ائتلاف اضطراري
  • بقلم: ياسين لمقدم

          ينجلي غبار الاستحقاقات الانتخابية لسبتمبر 2026 عن مشهد سياسي مُجهد، يُعيد فيه صندوق الاقتراع ترتيب الرقعة السياسية دون أن يمحو آثار تجربة حكومية سابقة أثقلت كاهل الشارع بالوعود المعطلة، وعمّقت لدى المواطن منسوب التوجس من جدوى الشعارات والبرامج الانتخابية. وقد تجلّى هذا التوجس الميداني في تراجع نسبة المشاركة الوطنية لتسجل 38.02% مقارنة باقتراع 2021، في رسالة صريحة من كتلة ناخبة واسعة تعكس اتساع مسافة الثقة بين الشارع والمؤسسات. يعود حزب الأصالة والمعاصرة “الجرار” إلى الواجهة متصدراً المشهد النيابي بـ 97 مقعداً من أصل 395، ليجد نفسه حائزاً على حق المبادرة ودعوة الشركاء لتشكيل الحكومة وفق أحكام الفصل 47 من الدستور، غير أنه استحقاقٌ محفوفٌ بإرث ثقيل من الاختلالات التدبيرية، والتزامات مالية واجتماعية ضخمة رصد لها الحزب في برنامجه ما يزيد عن 350 مليار درهم لمكافحة البطالة وضبط التضخم وتنفيذ وعود تخفيض الضريبة على الدخل وتوفير مليون منصب شغل، وسط إكراهات الميزانية الحتمية التي تفرض الحفاظ على سقف عجز لا يتجاوز 3% ودين عمومي في حدود 62%، وتحديات معيشية لا تقبل  التفاوض ولا تحتمل الاستعراض.

         تضع الخريطة النيابية الجديدة السلطة أمام اضطرار إعادة إنتاج التحالفات ذاتها التي أدارت دفة التدبير في المرحلة المنقضية لضمان حد أدنى من الاستقرار واستكمال المشاريع الكبرى كأمن الماء والتغطية الاجتماعية وتجهيزات كأس العالم 2030. ويلوح تشكيل الأغلبية عبر التكتل الثلاثي بالاستعانة بالتجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال كمسار حتمي يوفر أغلبية مريحة بـ 229 مقعداً تتجاوز النصاب الدستوري المطلوب (198 مقعداً)، لا سيما بعدما أفرزت النتائج المحينة إضافة مقعد لصالح حزب الاستقلال ليتساوى عددياً مع التجمع الوطني للأحرار بـ 66 مقعداً لكل منهما. هذا التكافؤ الرقمي يخلق معادلة تفاوضية جديدة ومشدودة الحبل، ترغم قائد الائتلاف على إعادة هندسة توزيع الحقائب الوزارية عبر القطاعات الاستراتيجية (كالمالية والتجهيز والفلاحة والقطاعات الاجتماعية) بمرونة وتكافؤ تام، ودون السماح للتجمع الوطني للأحرار بفرض شروط ترجيحية أحادية كوصيف منفرد، بل تمنح حزب الاستقلال قوة موازية لانتزاع حقائب موازنة تضمن له البقاء كمدافع عن الطبقات الهشة وبرامج الدعم الاجتماعي.

          وفي كواليس صناعة القرار داخل الحزب المتصدر، تتأرجح خيارات التكليف الملكي المرتقب بين البحث عن شرعية حزبيّة وتنظيمية تتجسد في حظوظ فاطمة الزهراء المنصوري كأول امرأة قد تقود الحكومة في تاريخ المملكة بشرعية نالتها من رأس القيادة الجماعية وعمادة مراكش. أو الرهان على الكفاءة التكنوقراطية والمالية البروفايل كفوزي لقجع لإدارة التوازنات الماكرواقتصادية ومستلزمات المونديال، أو تقديم وجوه قيادية شابّة كمحمد المهدي بنسعيد لدفع دماء جديدة في شرايين التفاوض والتدبير. وتتزامن هذه الترشيحات مع استدعاء صريح لظلال الرعيل الأول وشيوخ التأسيس لإعادة ضبط التوازن والتماسك الداخلي؛ بدءاً من المرجعية الفكرية والسياسية لأمثال حسن بنعدي ومحمد الشيخ بيد الله، إلى تجارب مصطفى الباكوري وحكيم بنشماش وأحمد إخشيشن، وصولاً إلى الأثر النافذ الذي تركه إلياس العماري وفؤاد عالي الهمة في جينات الحزب الأولى منذ إرهاصات “حركة لكل الديمقراطية” سنة 2007، وهي ظلال يُستدعى رصيدها اليوم لفرملة الصراعات الداخلية حول توزيع الحقائب ولترميم الخط السياسي الأول المبني على الحداثة وتدبير المشاريع الكبرى.

         وعلى الضفة الأخرى من المشهد البرلماني، تبرز ملامح تحول استراتيجي غير مسبوق في جبهة المعارضة، تتجاوز دائرة الاستبعاد التقليدي لحزب العدالة والتنمية من أي تشكيلة حكومية يقودها خصمه التاريخي. إذ يتشكل في الأفق أمل لافت ينبع من إمكانية بزوغ “ائتلاف معارضة تقاطعي” يجمع بين حزب العدالة والتنمية، برصيده النقدي والخطابي وقواعده المعبأة، وبين قوى اليسار الحداثي التي حققت قفزة نوعية بانتزاعها 8 مقاعد نيابية أتاحت لها إمكانية مأسسة حضورها في مجموعة برلمانية مستقلة. وإن كان التباين الأيديولوجي بين المرجعيتين الإسلامية واليسارية شاسعاً تاريخياً، فإن العمل الميداني والرقابي قد ينصهر في بوتقة “معارضة برنامجية وحقوقية” تركز على الدفاع عن القوت اليومي، وحماية المرفق العمومي، ومحاصرة تضارب المصالح، ومواجهة سياسات التغريب الاجتماعي والضغط المالي. إن مثل هذا التقارب بين معارضة خطابية ذات قاعدة شعبية ومعارضة نوعية ذات نفس حقوقي وحداثي من شأنه أن يخلق قطباً رقابياً معطلاً لهيمنة الأغلبية، ويستعيد للبرلمان دوره كمنصة حقيقية للمحاسبة لا مجرد غرفة للتصديق.

        وفي المحصلة، تجد الحكومة القادمة نفسها أمام اختبار وجودي لا يتعلق فقط برسم الهندسة الوزارية وتوزيع الغنائم الحزبية بين أطراف ثلاثي متمرس، بل بمدى قدرة “الجرار” وحلفائه على التنازل لصالح “تصريح حكومي موحد” يقدم قطيعة حقيقية مع العبث التدبيري السالف، ويُعيد بناء ثقة مفقودة بين المواطن والمؤسسات في مرحلة تاريخية حاسمة لا تحتمل إعادة إنتاج الفشل، خصوصاً أمام معارضة مرشحة لأن تكون الأكثر شراسة وجرأة في تاريخ البرلمان الحديث.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.